فهرس الكتاب

الصفحة 8741 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 649

2 -فإذا طابقنا بين الآيتين نرى أنّ فيهما وعدا من اللّه (39) وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ، و (40) يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا، والأوّل نصّ الوعد بلسان اللّه، والثّاني خبر عنه بلسان موسى. وفي ذيل الثّانية وعد آخر من موسى أيضا فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ... فهل هذا نفس وعد اللّه نسبه موسى إلى نفسه، لأنّه بلّغه إليهم، أو هو وعد آخر وعدهم موسى من عند نفسه استلهاما من وعد اللّه؟ لاحظ وع د:

"واعدنا وموعدى".

3 -جاء حلول الغضب في الثّانية مرّة يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ، وفي الأولى مرّتين فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي، في صورة قياس مركّب من صغرى وكبرى تأكيدا وتهويلا، وهي الأصل للثّانية- كما سبق- فهي تعبير عن تلك فتضمن تلك التّأكيد والتّهويل أيضا.

وهذا عكس"الوعد"حيث جاء في الأولى مرّة، وفي الثّانية مرّتين توافقا بين الوعد والغضب، وإشعارا بإيفاء الوعد من اللّه من دون خلف، نقضا لخلفهم في فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي.

4 -اختلفت القراءة بكسر الحاء وضمّها في (يحلّ) ، وبكسر اللّام وضمّها في (يحلل) ومعناهما يجب وينزل- كما سبق- في (37 و38) . قال الفرّاء في فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي:"الكسر فيه أحبّ إليّ من الضّمّ"، مستدلّا بأنّ معنى (يحلّ) بالضّمّ الوقوع، وبالكسر الوجوب.

"و قد جاء التّفسير بالوجوب لا بالوقوع، وكلّ صواب إن شاء اللّه. وفي قراءة (و لا يحلّنّ عليكم غضبى ومن يحلل عليه) مضمومة- إلى أن قال- فإذا قلت: حلّ بهم العذاب، كانت يحلّ بالضّمّ لا غير، فإذا قلت: (على) أو قلت: (يحلّ لك) كذا وكذا، فهو بالكسر".

وقد صوّب الطّبريّ القراءتين، لأنّهما قراءتان مشهورتان، وقال:"فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب، لأنّهم كانوا قد خوّفوا المعنيين كليهما".

وذكر الطّبرسيّ في الحجّة على القراءتين- الكسر والضّمّ- ما حاصله في الكسر: أنّ"حلّ"بمعنى المباح خلاف"الحظر"، فمعنى (يحلّ عليكم) : ينزل بكم وينالكم بعد ما كان ذا حظر وحجر ومنع، وفي الضّمّ: أنّ الغضب لمّا تتبعه العقوبة والعذاب جعله بمنزلة العذاب، فقال: (يحلّ) أي ينزل، بمنزلة قولهم:"حلّ بالمكان"كما قال: أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ الرّعد: 31، فكما أخبر عن العذاب بأنّه يحلّ بهم، كذلك أخبر عن الغضب بمثله، وجعله بمنزلته، لأنّه يتبعه ويتّصل به.

وقال الآلوسيّ:"أصله من الحلول، وهو في الأجسام، ثمّ استعير لغيرها، وشاع حتّى صارت حقيقة فيه- إلى أن قال-: ووصف ذلك بالحلول، حقيقة على بعض الاحتمالات، ومجاز على بعض آخر".

وقد حكى عن"الانتصاف"ما حاصله: أنّ وصفه بالحلول لا يتأتّى على تقدير أن يراد إرادة العقوبة، ويكون بمنزلة قوله عليه السّلام:"ينزل ربّنا إلى السّماء الدّنيا"أي أثر ربّنا، أو عبّر عن حلول أثر الإرادة بحلولها تعبيرا عن الأثر بالمؤثّر، نظير أنظر إلى قدرة اللّه يعني أثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت