المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 648
4 -قد نرى فيهما أنّ نوح والنّبيّ- أوّل الرّسل وآخرهم- عليه السّلام خاطبا قومهما بخطاب واحد، إشعارا بوحدة الكلمة والمرمى والمصير بينهما وبين قومهما أيضا.
وكم له من نظير بين الأنبياء عليهم السّلام من التّركيز على اشتراكهم قولا وعملا وهدفا في القرآن. لاحظ سورة الشّعراء الآيات رقم 105 - 176: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ...
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ...
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ...
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ...
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ...
وهذا إن دلّ على شي ء يدلّ على أنّ دين اللّه واحد، وأنّ الرّسل جميعا يدعون إلى هذا الدّين الواحد، ويقفون صفّا واحدا أمام أممهم، وكذلك أممهم أمامهم.
5 -قرأت في آية هود (يحلّ) بكسر الحاء وبضمّها- ولم يصلنا الخلاف في آية الزّمر-. قال أبو عبيدة في (38) فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ... ، يقال:"حلّ يحلّ"إذا وجب، و"حلّ يحلّ"إذا نزل، وقال الفخر الرّازيّ هنا:
"أي يجب عليه ونزل به". فكأنّه فسّرها على القراءتين معا.
وقال الزّمخشريّ:"إنّ العذاب يحلّ عليه حلول الدّين، والحقّ اللّازم لا انفكاك له عنه". وزاد البروسويّ:"ففي الكلام استعارة مكنيّة حيث شبّه العذاب الأخرويّ- الّذي قضى اللّه تعالى به في حقّهم- بالدّين المؤجّل الواجب الحلول، وأثبت له الحلول الّذي هو من لوازمه".
6 -وقد كرّر فيهما"عذاب"منكّرا مرّتين موصوفا بوصفين (يخزيه) و (مقيم) ، وفاعلا لفعلين يَأْتِيهِ عَذابٌ* ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ* كلّ ذلك لمزيد التّهويل وتشديد العذاب. لاحظ ع ذ ب:"العذاب".
الموضع الثّاني: حلول الغضب 3 مرّات في آيتين: (38 و39) وفيهما بحوث:
1 -كلتاهما في سورة طه المكّيّة خطابا إلى بني إسرائيل.
أولاهما: خطاب إليهم من اللّه بعد دخولهم الصّحراء وقبل صعود موسى الطّور: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى * كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى.
وأخراهما: خطاب إليهم من قبل موسى عليه السّلام بعد نزوله من الطّور، ورجوعه إليهم: فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي.