المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 492
والتّخفيف، فخصّ الآية بنكاح نساء أهل الكتاب دون المشركات، وأنكر نسخها بالآيتين، كما أنكر الفرق بين النّكاح الدّائم والمتعة لإطلاق الآية. واختار إرادة العفاف بها، وأنّ (المحصنات) في الموردين بمعنى العفائف دون الإسلام أو ذوات الأزواج، فلاحظ النّصوص.
ومنها (8) وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا، قالوا: إنّ الشّرط ليس حاصرا، لعدم جواز إكراههنّ على الزّنى إن لم يردن تحصّنا، وإنّما الشّرط محمول على أنّ الإكراه لا يتحقّق إلّا عند إرادة التّحصّن، أو هو محمول على ما كان شائعا من إكراه الفتيات من غير رضاهنّ، فإنّ عبد اللّه بن أبيّ كانت له ستّ جوار يكرههنّ على الزّنى وضرب عليهنّ الضّرائب، فشكت اثنتان منهنّ إلى النّبيّ عليه السّلام، فنزلت الآية.
على أنّ هذا الشّرط تقبيح لحالهم على ما كانوا عليه من الدّناءة والقبائح؛ حيث كانوا يكرهون بالزّنى من يكرهه حرصا للمال، فمن كان له أدنى مروءة لا يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه فضلا عن إكراههنّ عليه. وأيضا هذا الشّرط إثارة لغيرتهم بأنّهم أدنى مروءة وأقبح حرصا وسفاها من الجواري.
وإيثار كلمة (ان) على (إذا) للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه، عند كون إرادة التّحصّن في حيّز التّردّد والشّكّ، فكيف إذا كانت محقّقة الوقوع كما هو الواقع؟ ولا يحمل على أنّ هذه الإرادة منهنّ كانت في حيّز الشّاذّ منهنّ- كما قال الزّمخشريّ- لكونها أمرا واقعا شائعا منهنّ.
وعليه فلا يسمع إلى ما قيل: إنّ في الآية تقديما وتأخيرا، أي"و أنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصّنا، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء"!
فانقدح أنّ هذا الشّرط ليس له مفهوم، ولو كان فهو رفع النّهي دون الأمر بالإكراه، كما قال خليل ياسين.
رابعا: تلك بحوث في آيات العفاف والزّواج، وأمّا آيات الحفظ والحرز فأربعة:
الأولى: (9) : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ وقبلها: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ، فالضّمير الغائب في عَلَّمْناهُ راجع إلى داود عليه السّلام، أي علّمنا داود صنعة لبوس، فيرجع نفعها لكم فتحصنكم في حروبكم. وفيها بحوث:
1 -قرئت (لتحصنكم) بالياء والتّاء والنّون، وترجع الباء إلى اللّبوس، أو اللّه، أو داود، أو التّعليم، فإنّ كلّا منها تحصنكم، والتّاء إلى الصّنعة أو إلى داود أو اللّبوس باعتبار الدّروع. والنّون للمتكلّم أي نحصنكم نحن، فتطابق (علّمناه) . وقد اختار الطّبريّ الياء، لأنّها قراءة الأمصار، مع اعترافه بأنّ القراءات الثّلاث متقاربة المعاني، ولكلّ منها مناسبة للسّياق.
وقال الزّجّاج:"فهذه الثّلاثة الأوجه قد قرئ بهنّ، ويجوز فيها ثلاث لم يقرأ بهنّ، لأنّ القراءة سنّة"ثمّ ذكر (يحصّنكم) بالتّشديد بثلاثة أوجه.
2 - (لكم) متعلّقة ب (علّمناه) أو صفة (لبوس) ، و (لتحصنكم ... ) بدل اشتمال منه.
3 -الإحصان فيها هو الحفظ والحرز.
4 -يبدو منها أنّ داود أوّل من صنع الدّرع، فبقى