المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 180
أبو حيّان: [ذكر قول مجاهد والسّدّيّ وبعضا من أسباب النّزول، ثمّ قال:]
والظّاهر أنّ (يحذر) خبر، ويدلّ عليه إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ. فقيل هو واقع منهم حقيقة لمّا شاهدوا الرّسول يخبرهم بما يكتمونه، وقع الحذر والخوف في قلوبهم. [إلى أن قال:]
وقال الزّجّاج وغيره ممّن ذهب إلى التّحرّز من أن يكون كفرهم عنادا: هو مضارع في معنى الأمر، أي ليحذر المنافقون، ويبعده (مخرج ما تحذرون) و (ان تنزّل) مفعول (يحذر) وهو متعدّ. [ثمّ استشهد بشعر]
وقال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ* لمّا كان قبل التّضعيف متعدّيا إلى واحد، عدّاه بالتّضعيف إلى اثنين.
وقال المبرّد:"حذر"إنّما هي من هيئات الأنفس الّتي لا تتعدّى، مثل فزع، والتّقدير: يحذر المنافقون من أن تنزّل ولا يلزم ذلك، ألا ترى أنّ"خاف"من هيئات النّفس وتتعدّى. [إلى أن قال:]
ومعنى مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مبرز إلى حيّز الوجود ما تحذرونه من إنزال السّورة، أو مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم. (5: 66)
أبو السّعود: أي يحذر المنافقون أن تنزّل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين، وتهتك عليهم أستارهم. [إلى أن قال:]
ما تَحْذَرُونَ أي ما تحذرونه من إنزال السّورة، ومن مخازيكم ومثالبكم المستكنّة في قلوبكم، الفاضحة لكم على ملأ النّاس. والتّأكيد لردّ إنكارهم بذلك لا لدفع تردّدهم في وقوع المحذور؛ إذ ليس حذرهم بطريق الحقيقة. (3: 166)
الآلوسيّ: ويجوز أن يكون (يحذر) متعدّيا بنفسه، كما يدلّ عليه ما أنشد سيبويه من قوله:
حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس ينجيه من الأقدار
وأنكر المبرّد كونه متعدّيا، لأنّ"الحذر"من هيئات النّفس كالفزع، والبيت قيل: إنّه مصنوع، وردّ ما قاله المبرّد بأنّ من الهيئات ما يتعدّى ك"خاف وخشي"، فما ذكره غير لازم. [إلى أن قال:]
وفي الإخبار عنهم بأنّهم (يحذرون) ذلك إشعار بأنّهم لم يكونوا على بتّ في أمر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام. [ثمّ ذكر قول أبي مسلم إلى أن قال بعد قول الزّجّاج:]
وهو خلاف الظّاهر، وكان الظّاهر أن يقول: إنّ اللّه منزّل سورة كذلك أو منزّل ما تحذرون، لكن عدل عنه إلى ما في النّظم الكريم للمبالغة؛ إذ معناه مبرز ما تحذرونه من إنزال السّورة، أو لأنّه أعمّ إذ المراد مظهر كلّ ما تحذرون ظهوره من القبائح. وإسناد الإخراج إلى اللّه تعالى للإشارة إلى أنّه سبحانه يخرجه إخراجا لا مزيد عليه، والتّأكيد لدفع التّردّد أو ردّ الإنكار. (10: 130)
رشيد رضا: الجمهور على أنّ جملة (يحذر) خبر على ظاهرها، وعن الزّجّاج: أنّها إنشائيّة في المعنى، أي ليحذروا ذلك. وهو ضعيف، فالحذر كالتّعب:
الاحتراز والتّحفّظ ممّا يخشى ويخاف منه، كما يؤخذ من مفردات الرّاغب وأساس البلاغة، في مادّتي"ح ذ ر"، وح ر ز"، ويستعمل في الخوف الّذي هو سببه."