المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 151
والنّوع الثّاني من مباحث الفقهاء: الأسباب الّتي توجب لغير المالك التّصرّف في الشّي ء، وهو باب الوكالة، والوديعة وغيرهما.
والنّوع الثّالث: الأسباب الّتي تمنع المالك من التّصرّف في ملك نفسه، وهو الرّهن والتّفليس والإجارة وغيرها، فهذا ضبط أقسام تكاليف اللّه في باب جلب المنافع.
وأمّا تكاليف اللّه تعالى في باب دفع المضارّ، فنقول:
أقسام المضارّ خمسة، لأنّ المضرّة: إمّا أن تحصل في النّفوس، أو في الأموال، أو في الأديان، أو في الأنساب، أو في العقول.
أمّا المضارّ الحاصلة في النّفوس، فهي إمّا أن تحصل في كلّ النّفس، والحكم فيه إمّا القصاص أو الدّية أو الكفّارة، وإمّا في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها، والواجب فيه إمّا القصاص أو الدّية أو الأرش.
وأمّا المضارّ الحاصلة في الأموال، فذلك الضّرر إمّا أن يحصل على سبيل الإعلان والإظهار، وهو كتاب الغصب، أو على سبيل الخفية وهو كتاب السّرقة.
وأمّا المضارّ الحاصلة في الأديان، فهي إمّا الكفر وإمّا البدعة. أمّا الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدّين، وليس للفقهاء كتاب مقرّر في أحكام المبتدعين.
وأمّا المضارّ الحاصلة في الأنساب فيتّصل به تحريم الزّنى واللّواط وبيان العقوبة المشروعة فيهما، ويدخل فيه أيضا باب حدّ القذف وباب اللّعان.
وهاهنا بحث آخر وهو أنّ كلّ أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضارّ بنفسه، لأنّه ربّما كان ضعيفا فلا يلتفت إليه خصمه، فلهذا السّرّ نصب اللّه تعالى الإمام لتنفيذ الأحكام، ويجب أن يكون لذلك الإمام نوّاب وهم الأمراء والقضاة. فلمّا لم يجز أن يكون قول الغير على الغير مقبولا إلّا بالحجّة، فالشّرع أثبت لإظهار الحقّ حجّة مخصوصة وهي الشّهادة. ولا بدّ أن يكون للدّعوى ولإقامة البيّنة شرائط مخصوصة، فلا بدّ من باب مشتمل عليها، فهذا ضبط معاقد تكاليف اللّه تعالى وأحكامه وحدوده. ولمّا كانت كثيرة واللّه تعالى إنّما بيّنها في كلّ القرآن، تارة على وجه التّفصيل، وتارة بأن أمر الرّسول عليه السّلام حتّى يبيّنها للمكلّفين، لا جرم أنّه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية، فقال: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وهو يتناول جملة هذه التّكاليف.
واعلم أنّ الفقهاء ظنّوا أنّ الّذي ذكروه في بيان التّكاليف وليس الأمر كذلك، فإنّ أعمال المكلّفين قسمان: أعمال الجوارح وأعمال القلوب، وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التّكاليف المتعلّقة بأعمال الجوارح. فأمّا التّكاليف المتعلّقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها ألبتّة، ولم يصنّفوا لها كتبا وأبوابا وفصولا، ولم يبحثوا عن دقائقها. ولا شكّ أنّ البحث عنها أهمّ والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى، لأنّ أعمال الجوارح إنّما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب، والآيات الكثيرة في كتاب اللّه تعالى ناطقة بذلك إلّا أنّ قوله سبحانه: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ متناول لكلّ هذه الأقسام، على سبيل الشّمول والإحاطة. [إلى أن قال:]
فإن قيل: ما السّبب في أنّه تعالى ذكر تلك الصّفات الثّمان على التّفصيل، ثمّ ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام