الصفحة 48 من 206

: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [1] ، وقوله - تعالى-: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى} [2] ، ومنه أخذ لفظ الزكاة، وهو ما يخرجه الإنسان من حق الله - تعالى- للفقراء، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس أي تنقيتها بالخيرات والبركات [3] ، أما أربى فأكثر ما يستعمل في القرآن الكريم للدلالة على الماديات ومن ذلك:

1.المال المحرم: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ} [4] .

2.المكان المرتفع: {وَآويْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [5] .

3.التغذية: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [6] أي غذيناك حتى نموت وكبرت.

4.كثرة العدد والعدة: {أَنْ تَكُونَ أمة هِيَ أَرْبَى مِنْ أمة} .

لذلك استعمل القرآن الكريم أربى ولم يقل: (أزكى) ؛ لأنها أوسع استعمالًا في الماديات، والمقصود هنا بيان كثرة العدد والعدة؛ ولأنها تحمل معاني أخرى مجازية، إلى جانب المعاني الحقيقية، قال ابن عاشور:"وأربى: أزيد، وهو اسم تفضيل من الربو بوزن العلو، أي: الزيادة يحتمل الحقيقة، أعني: كثرة العدد والمجاز، أعني: رفاهية الحال، وحسن العيش، وكلمة أربى تعطي هذه المعاني كلها، فلا تعدلها كلمة أخرى تصلح لجميع هذه المعاني، فوقعها هنا من مقتضى الإعجاز" [7] .

وأربى يعني: أزيد، لكن الله - تعالى- لم يبين وجه الزيادة في أي شيء؟ أهو في القوة، أو في العدد، أو في غيرهما؟ وذلك لتتضمن جميع وجوه الزيادة التي يرغب بنقض العهد لأجلها، فلا يبقى لمن تسول له نفسه في نقض عهد الله ورسوله ما يدعيه ويتماسك به، فلو أن الله - تعالى- قال: أن تكون أمة هي أربى عددا من أمة فحصر الزيادة بالعدد، لم يكن على من نقض عهده لأُمة هي أربى عزة وقوة إثم، فالقصد من وراء ذلك كله قطع السبل على

(1) الشمس: 9.

(2) النجم: 32.

(3) ينظر: بصائر ذوي التمييز: 3/ 132.

(4) البقرة: 275.

(5) المؤمنون: 50.

(6) الشعراء: 18.

(7) التحرير والتنوير: 14/ 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت