في الخلو عن لفظ من التفضيلية، وجاز له تركها كما في الآية؛ لشبهه بالمجرد لنية معنى من، وهو الغالب في الاستعمال [1] ، وإلى جواز الوجهين أشار الناظم بقوله [2] :
وتلو (أل) طبق وما لمعرفه ... أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه
ولو طابق لقال: أحرصِ الناس بكسر الصاد،"فيكون جمع تصحيح حذفت نونه للإضافة، وياؤه للساكنين، وبقيت الكسرة قبلها" [3] .
والحرص على الحياة غريزة في الناس، إلا انهم يتفاوتون فيها قوة وكيفية وأسبابًا [4] .
أما عن الألف واللام في (الناس) ، فقيل: أنها للجنس، فتعم جميع البشر أو للعهد، فيكون المقصود جماعة من الناس معروفين غلب عليهم الحرص على الدنيا [5] ، والظاهر أنها للجنس؛ لأن لفظ (الناس) في كتاب الله يراد به جميع بني البشر غالبًا، ولأن الجماعة التي غلب عليها الحرص ذكرت في قوله - تعالى-: {وَمِنْ الَّذِينَ أشركوا} والله اعلم.
واليهود داخلون في لفظ (الناس) ، فهل يكون تفضيلهم عليهم من تفضيل الشيء على نفسه؟ قال الآلوسي:"والمراد بالناس ... ما عدا اليهود، لما تقرر أن المجرور بـ من مفضول عليه بجميع أجزائه، أو الأعم، ولا يلزم تفضيل الشيء على نفسه؛ لأن أفعل ذو جهتين، ثبوت أصل المعنى والزيادة، فكونه من جملتهم بالجهة الأولى دون الثانية" [6] ،
أي: من جملة الناس في المشاركة لا الزيادة، لأن الموصوف"داخل في المضاف إليه بحسب مفهوم اللفظ قبل الإضافة، وإن كان خارجًا عنها بعدها بحسب الإرادة؛ لئلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه" [7] .
وفي سبب تنكير الحياة يقول الزمخشري:"لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة" [8] ، والأصح أن تترك (حياة) على إطلاقها دون تقييد؛"لأن من كان أحرص على"
(1) ينظر: شرح التصريح: 2/ 105 - 106 وحاشية الصبان: 3/ 48.
(2) الألفية:36.
(3) حاشية الخضري: 2/ 52.
(4) ينظر: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد: ابن عاشور: 1/ 617.
(5) ينظر: البحر المحيط: 1/ 480.
(6) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: 1/ 270.
(7) حاشية الخضري: 2/ 52.
(8) الكشاف: 87.