انتعلتُ طريقًا فرعيّة أخرى.. كنتُ أحاذر أن ألتقي أحدًاما.. رحتُ أجترُّ ماحدث لي.. حاولت أن أبصق خثرات الخوف المتدبقة في حلقي.. أسرعتُ في سيري، أنزلقُ من زقاق فرعيٍّ إلى آخر محتميًا بالظلام.. بعد قليل أحسست بأن شيئًا من الطمأنينة بدأ يتسرب إلى نفسي ، أخذتُ أطرد الموتَ من شراييني، شعرتُ بالدم يسري في داخلي ويبعث الدفءَ في مفاصلي وكفيَّ ووجهي.. عدتُ إلى قناعتي بأن الحياة أقوى من الموت، ابتسمتُ لهذه الخاطرة التي هبطت عليّ واستلّت أكثر مخاوفي... ألّحت عليَّ من جديد فكرةُ كتابة قصة جديدة.. يجب أن أكتب، يجب أن أعبّر عن ذاتي، فأنا لاأستطيع تحمّل عتاب سكرتير التحرير.. ماذا سأقول له؟.. هل أجرؤ على كتابةِ ماأريد؟!!... لم تعد تروقني العتمة.. شعرتُ برغبة ملحّة لأن أتخلّص من الظلام.. انعطفتُ من ذلك الزقاق الفرعي وخرجتُ إلى شارع السوقِ الرئيسي، شارع طويل، عريض جدًا، مكتظّ بالناس والمحلاّت.. المحلاّتُ حبلى بالبضائع والسلع.. انتعلتُ أرصفته ببطءٍ شديد وهدوء تام.. رحتُ أفرّج عن نفسي بالنظر إلى المعروضات من خلال الواجهات المُضاءَة والمزيّنة... دفعني الفضولُ نحو أشياءَ وأشياء كثيرة.. نسيتُ نفسي، أسقطتُ ذاتي من الحساب، آلمتني لوائح الأسعار الجهنميّة المعروضة بأناقة وإغراءٍ قاتل... شعرت بيدٍ باردةٍ جليدية تمسح وجهي وعنقي وتلفّني بالصقيع.. بدا لي أننّي لا أعني الحياة بشيء، وأنني خارج حدود المكان والزمان.. تساءَلت: وماذا بعد الجوع والعري؟؟.. ركبتني قشعريرة نفّاذه.. وراحت تمزّقني احتمالات كثيرة... ساعتئذ أدركتُ أن الجلطة ليست في مهنة الكتابة فحسب، إنها في كل شيء.. توحّدتُ من جديد مع الخوف والإحباط والأسى المرير، وراحت الهواجس المرّة تفترسني بتلذّذ...
صوت مفاجيء مزّق الصمت في جو الغرفة... الصوت يزداد ويتتابع.. الرنين يتواصل.. القلم يكاد يتحطم بين يدي، والطاولة تهتزُّ تحت ضغط المرفقين، والكرسي تَصرُّ وتئن... والساعة المعلّقة على الجدار تعلن برنينها الحاد حلولَ منتصف الليل...