فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 70

نعم.. قرّرتَ العودة إلى الدنيا.. ضقتَ ذرعًا بحياة العفونة والرطوبة والظلام.. قلتَ لنفسك: لماذا لاأغيرُ هذه الحياةَ الساكنة الراكدة.. لماذا لا أمزّقُ هذه المُلاءَات الترابية القاسية.. قرّرت بحزم، قرارًا لاعودة عنه.. فتحتَ عينيكَ ياأبا الفهد.. لم يكن تحريكُ الأجفان والأهداب بعد رقاد طويل بالأمر السهل.. حرّكتهما بتثاقُل مرير.. آلمتكَ اللزوجة، أحرقت مقلتيك الروائح النفّاذة الخانقة التي تتغلغل في ثنايا قبرك.. تمكّنت أخيرًا... لاحت لكَ ثغراتٌ وشقوقٌ متداخلة.. رحتَ تدفعُ بكفيّكَ القويتين الترابَ اللزجَ العفن الذي أُهيلَ على جسدك الصلب منذ عشرين سنةً مضت... أخيرًا وبعد عراكٍ قاسٍ مرير تغلّبت كفّاك على الحجارة والأتربة، وبضربة محكمة من منكبكَ الأيمن، دفعت بمهارةٍ عجيبة ذلك الحجرَ الثقيل الكبير الذي رزحَ فوقك عقدين من الزمن.. تدحرج الحجر الثقيل.. لاحت لك أنوارٌ وقبساتٌ من أشعةٍ فضيّة.. تنسَّمتَ بلذةٍ تُذيب الأعصاب هواءً منعشًا لاتخالطه روائح النّزيز والنّتن والصّنان.. ملأتَ رئتيكَ هواءً طازجًا.. صرخْتَ بصوت يملؤه الحنان: هاأنذا قادمٌ إليكم ياأحبّتي.. التفتَّ حولك بآليّة عجيبة، لقد أيقنت أنّ أحدًا لم يسمع نداءَكَ المحمومَ هذا، وبقفزةٍ بهلوانية رشيقة صرتَ خارج القبر، منتصبًا على قدمين ثابتتين، كأنك لم تستسلم للموت الكلي طيلةَ هذه السنوات العفنة.. أخذتَ تدور في المكان.. سحرتكَ الحياةُ.. شمسُها.. هواؤُها.. أشجارُها.. طيورُها.. أطلقتَ صوتًا كالرعد: أنا عائدٌ أيّها الأحبة، يامن طرقتُم بأكفكم على قبري، ووضعتم عليه أكاليلَ ورد عطرة.. لقد اشتقتُ إليكم.. عائدٌ لأعيش معكم... أحدٌ لم يردَّ عليك.. أيقنتَ أنّكَ أطلقتَ صرخةً في العراء.. قلتَ لنفسك: سأستريحُ قليلًا... أقعيْتَ في مكانك كثعلب أعيتهُ الحيلة.. أغمضتَ عينيكَ بشدّة، ورحتَ تفكّر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت