فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 70

ظلت عينا الأم تراقبان ابنتها في حيرة وتساؤل، لقد طالت وقفتها أمام المرآة. طالت أكثر ممّا ينبغي.. الأم تذهب وتجئ، والفتاة مشدودة بكل أحاسيسها إلى مرآة معلّقة على الجدار، تعبث بشعرها، تتلمّسُ وجهها، تتلفّت وتتلوى، تدندن لحنًا شعبيًا شائعًا.. ازداد توتر الأم، وتسارعت حركاتها قريبًا من الفتاة.. غريبٌ أمرها؟!! ماذا تعمل أمام المرآة.. أتحدّثُها.. أتُفضي إليها بسر؟؟..

منذ الصباح الباكر، تذكرتِ الأم جيدًا، أنَّ على ابنتها ديمة أن تبدأ مساءَ اليوم دورةَ التقوية في اللغة الانكليزية في معهد خاص.. أخطرتها بذلك... في الوقت المناسب، أخذت ديمة تستعد للذهاب إلى المعهد لتلقّي الدرس الأول..

صاحت الام من الغرفة المجاورة:

-.. ديمة.. ديمة.. أسرعي، لقد حان الوقت.

ضحكت ديمة في سرها. حانت منها التفاتةٌ سريعة إلى معصمها الأيسر:

-.. لايزال الوقتُ مبكرًا.

صاحت الأم بعصبية:

-.. لقد أطلتِ الوقوف أمام المرآة.. أتتحدّثين إليها؟!

سكتت ديمة.. علت وجهها ابتسامةً لامعة. تفوّهت بكلمتين صغيرتين:

-.. غريب أمرك ياماما!!

وراحت أصابعها اللدنة ، تضع آخر اللمسات على شعرها وعنقها وخدّيها.. استداراتٌ رشيقة ذات اليمين وذات الشمال.. لحن أخرس ينسابُ عبر الشفتين..

وقفت الأم تحدّق بابنتها، تكحّل عينيها بذلك الجسد الأهيف الرشيق والشعر العنقودي المبعثر في كل اتجاه، والبشرة القمحيّة الجذّابة، والأنوثة الصارخة... ومع أريج العطر الفوّاح الرقيق، المنبعث من الفتاة، تماهت الأم مع أحلام بعيدة الغور، شدّتها إلى عالم بعيد منسي..

أيقظتها ديمة من ذهولها الحالم، عندما وضعت كفّها على كتفها، وخطفت من خدها قبلة رشيقة..

-.. خاطرك ماما.. أنا ذاهبة إلى المعهد.. سأعود عقب انتهاء الدرس..

استيقظت الأم من شرودها.. أعادتها ديمة من أحضان سنوات بعيدة خلت.. لفّتِ المكان حولها بنظرات زائغة.. شاهدت ابنتها تندفع بخفّة عبر ضلفتي الباب الرئيسي.. صاحت بصوت مبحوح:

-.. الله معك.. مع السلامة.. احترسي ياديمة.. لاتتأخري.

التفتت ديمة نصف التفاته.. عطّرت المنزل بابتسامة ناعمة.. وراحت تقفز حتى غيَّبَها الدرج المتلوّي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت