يصيب الأراضي الأخرى (1) . وقد بلغت وأرادت البرامكة السنوية من الأموال ثلاثين مليونًا وستمائة وستين ألف دينار غير ضياعهم ودورهم (2) . وعن طريق هذه الثروات الضخمة التي حصلوا عليها استطاعوا أن يكونوا علاقات ممتازة مع الخاصة والعامة ، وذوي الحاجات عن طريق الهبات والأعطيات التي كانوا يعطونها بسخاء ، حتى كثر على أبوابهم أصحاب الحاجات وتغنى بهم الشعراء . والظاهر أن علاقاتهم الجيدة مع الخاصة والعامة هي التي حدت من انتقادات الجماهير لهم ولأعمالهم .
... وهكذا ظلت أسرة البرامكة تدير أمور الدولة وتحتل المنزلة العظيمة لدى الرشيد لمدة سبعة عشر عامًا ، وإن تفاوتت هذه المنزلة في هذه المدة ، حتى حصل الانقلاب الخطير في سياسة الرشيد تجاههم ، فأمر بقتل جعفر في صفر سنة 187هـ / فبراير 803 م وسجن يحيى والفضل ، وقبض على أموالهم وعقاراتهم
وضياعهم بالعراق (3) . وغلى الرغم من أننا لانعرف تفاصيل الوضع الذي أدى إلى هذا الإنقلاب ، لأن الرشيد نفسه تكتم في إظهار ذلك ، فأفسح بذلك المجال أمام الرواة والمؤرخين ومن تعرض لتاريخ هذه الأسرة بأن يؤولوها تأويلات وصور مختلفة .
... وقد أتهم البرامكة بأن لهم ميولًا علوية ، فهم يؤثرون مصلحة العلويين على مصلحة الرشيد . وهي تهمة عند العباسيين أشد من تهمة الزندقة التي أودت بحياة ابن وزير المهدي . ذلك أن هذه التهمة تشكل خطرًا جسيمًا على سلامة الدولة . وقد استغلت حادثة إطلاق جعفر البرمكي سراح الثائر يحيى بن عبدالله العلوي أسوأ استغلال من قبل أعداء البرامكة . وهناك عدد من الروايات التي تحاول إثبات انحياز البرامكة إلى العلويين وأنهم يفضلون أن يعتلى عرش الخلافة واحد منهم (4) . وهي روايات يصعب على الباحث المدقق تصديقها ، لأن البرامكة لم يكونوا لينالوا تلك المنزلة الرفيعة الني حصلوا عليها في عهد الرشيد لو تولى أحد العلويين عرش الخلافة .