فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 533

فلما نزلوا بدير بحيرى وكانوا كثيرًا ما يمرون به لا يكلمهم، حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلًا قريبًا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا صنع لهم طعامًا ودعاهم، وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون القوم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة فاخضلت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى بحيرى ذلك نزل عن صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به، وأرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفوا منكم صغيرًا ولا كبيرًا حرًا ولا عبدًا، فإن هذا شيء تكرموني به.

فقال له رجل: إن لك لشأنًا يا بحيرى، ما كنت تصنع هذا، فما شأنك اليوم؟

قال: إني أحب أن أكرمكم ولكم حق.

فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه ليس في القوم أصغر منه، في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى إلى القوم ولم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده، وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ويراها متخلفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بحيرى: يا معشر قريش لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي.

قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام وهو أحدث القوم سنًا في رحالهم.

فقال: ادعوه ليحضر طعامي فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم.

فقال القوم: هو والله أوسطنا نسبًا، وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب.

فقال الحرث بن عبد المطلب: والله إن بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا. ثم قام إليه واحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه.

وجعل بحيرى يلحظه لحظًا شديدًا وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده في صفته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت