هكذا هو عند أهل الكتاب وعندنا وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله على المسيح الإِنجيل، وكان المسيح يسكن ساعير بأرض الخليل بقرية تدعى ناصرة، وباسمها سمي من اتبعه نصارى، وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران بإنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في جبال فاران، وهي جبال مكة، وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة. فإن ادعوا أنها غير مكة وليس بنكير من تحريفهم وإفكهم قلنا: أليس في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجَر وإسماعيل فاران؟
وقلنا: دُلُّونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبيِّ الذي أنزل عليه كتابًا بعد المسيح.
أو ليس استعْلنَ وعَلَن بمعنىً واحد وهما ظهر وانكشف؟
فهل تعلمون دِينًا ظهر ظهورَ الإِسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشُوَّه.
ومن أعلامه في «التوراة» : قال الله تعالى لموسى في «السِّفْر الخامس» : إني أقيم لبني إسرائيل نبيًا من إخوتهم مثلَك، أجعل كلامي على فمه.
فَمن (مِن) إخوة بني إسرائيل إلا هو (ابن) إسماعيل، كما تقول: بكرٌ وتَغْلب أبناء وائل، ثم تقول تغلب أخو بكر، وبنو تغلب إخوة بني بكر. يُرْجع في ذلك إلى أخوَّة الأبوين.
فإن قالوا: هذا النبي الذي وعد الله أن يقيمه لهم هو أيضًا من بني إسرائيل، لأن بني إسرائيل إخوة بني إسرائيل، أكْذَبتهم التوراة وأكذبهم النظر؛ لأن في التوراة أنه لم يقم في بني إسرائيل مثل موسى.
وأما النظر: فإنه لو أراد أني أقيم لهم نبيًا من بني إسرائيل مثل موسى، لقال: أقيم لهم من أنْفُسهم مثل موسى. ولم يقل من إخوتهم. كما لو أن رجلًا قال لرسوله: ائتني، برجل من بني تَغْلب بن وائل. فلا يجب أن يأتيه برجل من بني بكر.