ثم قال: يا معشر اليتامى، بعد قليل ما الذي يُبكيكم؟ قالوا: يا أبانا نبكي فراقك، وما الذي تتعجل من اليُتم بعدك.
قال: فقال: أقعدوني أرى كلكم يبكي لدُنياي، أما فيكم من يبكي لآخرتي! أما فيكم من يبكي لما يلقاه في التراب وجهي! أما فيكم من يبكي لمسألة منكر ونكير وإيَّاي! أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي الله ربي!
قال: ثم صرخ صرخةً فمات.
عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر قال: كان عبدالرحمن بن يزيد بن معاوية خلًا لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبدالملك بن مروان وتصدع الناس عن قبره وقف عليه، فقال: أنت عبدالملك الذي كُنت تعدُني فأرجوك وتوعدني فأخافك أصبحت وليس معك من ملكك غير ثوبك وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين.
ثم انكفأ إلى أهله واجتهد في العبادة حتى صار كأنه شنٌ بالي، فدخل عليه بعض أهله فعاتبه في نفسه وإضراره بها، فقال للقائل: أسألك عن شيء تصدقني عنه؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن حالتك التي أنت عليها أترضاها للموت؟ (المعنى أترضى أن يأتيك الموت وأنت عليها) ، قال: اللهم لا. قال: أفعزمت على انتقال منها إلى غيرها؟ قال: ما انتصحت رأيي في ذلك.
قال: أفتأمنُ من أن يأتيك الموتُ على حالك التي أنت عليها؟ قال: اللهم لا، قال: حال ما أقام عليها عاقل، ثم انكفأ إلى مصلاه.
وروي أن سليمان بن عبدالملك تجمل يومًا ولبس ثيابه واعتم بعمامة وعندهُ جارية، فقال لها: كيف ترين الهيئة؟ فقالت: أنت أجمل العرب لولا، فطلب منها أن تكمل الجواب وتصرح بما أضمرت، فقالت:
أنْتَ نِعْمَ المتاعُ لَوْ كُنْتَ تَبْقَى ... غَيرَ أن لا بَقَاءَ للإنْسَانِ
أنْتَ خِلْقٌ مِنْ العُيُوبِ ومما ... يكَرَهُ الناسُ غَيْرَ أنَّكَ فَان
فتكدر عليه ما كان فيه من الأبهَةِ والنعيم وما لبث بعدها إلا أيامًا قلائل حتى تُوفي.