الصفحة 11 من 11

من كونها حرفا يقتضي في الماضي وجوبا لوجوب، و يربط واقعا بواقع.

وتتشابه (لما) مع (إذا) في عدة أمور: منها أنهما تدخلان غالبا على الفعل

الماضي، و في هذا إشارة إلى تحقق الوقوع، بخلاف دلالة (إن) . كما تلتقي مع إذا في

كون جوابها يأتي بعد شرطها بلا مهلة، و في كونه يأتي أحيانا جملة فعلية فعلها م اض

غالبا، و أحيانا جملة اسمية مسبوقة بالفاء، أو بإذا الفجائية. هذه الأمور تجعل دلالتهما

على تحقق الوقوع متقاربة، غير أنه من الممكن أن نلمح في (لما) مزيدا من التوكيد، لما

تدل عليه من تحقق وجود جملة الجواب عند تحقق وجود فعل الشرط في الماضي، بخلاف

(إذا) التي تجعل الفعل معها مفيدا للاستقبال. و بعبارة أخرى فإن الجزاء يقع لا محالة مع

تحقق وقوع الشرط و الشرط محقق الوقوع بدلالة كونه ماضيا، و دخول (لما) عليه.

و تنفرد (إذا) بدلالتها على الاستمرار الذي سيتضح أكثر بتأمل السياقات،

و دلالتها على العموم التي اختلف فيها النحويون. و سنجد أن السياق هو الذي

يستدعي ما يناسبه من أدوات الربط هذه.

والمتأمل في الآيات التي تذكر موقف الإنسان إزاء ابتلاء الله له بالخير و الشر

يستطيع أن يقسمها ثلاثة أقسام، الأول: يُذكر فيه موقف الإنسان في حالي السراء

والضراء عامًة، الثاني: يُذكر فيه موقف الإنسان إذا أعقبت إحدى الحالين الأخرى،

والثالث: يُذكر فيه موقف الإنسان حال تخلصه من الشدة. والذي دعا لهذا التقسيم

اختلاف مواقف الإنسان ذاته حيالها و اختلاف رد القرآن على هذا الموقف.

واللافت للنظر في هذا الصدد أن الأداة (ّلما) قد تكرر ورودها كثيرًا في القسم

الثالث في حين تراوح ورود (إ ْ ن، وإذا) في القسمين الآخرين، وإن اختلفت دلالتهما

-كما سيتضح - من موطن لآخر.

406 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

ومن أشهر الآيات التي تحدث عنها المفسرون والبلاغيون قوله تعالى في سورة

فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه.: الأعراف

آية (131) فهؤلاء أرسل الله تعالى. ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون

.ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون.: الآيات في قوله

{الأعراف 130} ،لعلهم ير جعون وينيبون إلى ربهم ولكنهم عوضًا عن ذلك قابلوا هذا

الأمر بما يبين شدة بطرهم فكانوا إذا جاءتهم الحسنة من خصب وسعة وصحة قالوا إننا

مستحقون لها وهي مختصة بنا (27) ، وإن جاءتهم السيئة من قحط وجدب وضر وبلاء

تشاءموا بموسى ومن معه"وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة وا لقساوة، فإن الشدائد"

ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك سيما بعد مشاهدة الآيات. وهي لم تؤثر

فيهم بل زادوا عندها عتوًّا وانهماكًا في الغي" (28) . وتزداد صورة جحودهم قبحا"

وشناعة بما بينته الآيات من بُعد المسافة بين إحسان الله إليهم وما قابلوه بها من الجح ود.

يوضح ذلك مجيء وصف حصول نعمتهم ب (إذا الشرطية) التي تفيد تحقق الوقوع مع

تعريف (الحسنة) لتشمل كل أنواع الحسنات ووصف وقوعهم في الجدب والضر ب

(إ ْ ن) التي تفيد ندرة الوقوع مع تنكير لفظ (سيئة) الذي يفيد التقليل ليشير إلى أن

شيئًا قلي ً لا من هذه السيئا ت هو الذي يقع عليهم، يقول الزمخشري"فإن قلت كيف"

قيل فإذا جاءتهم الحسنة ب (إن) وتنكير السيئة؟ قلت: لأن جنس الحسنة وقوعه

27)الزمخشري: الكشاف ج 2 ص 106 وانظر حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ج 4 ص 207)

28)البيضاوي بهامش حاشية الشهاب ج 4 ص 208 وانظر أبو السعود: تفسير أبي السعود ج 3 ص 264)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 407

(كالواجب لكثرته واتساعه وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها"(29"

فالحسنات تحصل لهم بصفة مستمرة - بدلالة إذا (30) - والسيئات تقع لهم نادرا

وهذا من رحمة الله بهم، ثم يكون في كل مرة جزاؤهم عند مجيء الحسنات بطرًا وفرحا،

وعند مجيء السيئات تشاؤما بنبيهم المرسل إليهم ومن معه من المؤمنين، بل إنهم لا

يمهلون جوابهم و إنما يأتون به عقب مجيء الحسنات و إصابة السيئات بلا مهلة، و هذا

أوضح في بيان جحودهم. ولذلك يرد القرآن عليهم بأن نصيبهم من الخير والشر

مكتوب مقدرٌ لهم عند الله تعالى، ولكنهم لا يعلمون. و فيه تنبيه لهم من غفلتهم ودواء

لجهالتهم الجهلاء بإثباتهم الاستحقاق للفضل لأنفسهم، و تطيرهم عند إصابة السيئات

بموسى عليه السلام.

وقد أورد ابن المنيّر تنبيهًا على دلالة (إن و إذا) كما ذكرها الزمخشري

فقال:"قال أحمد: وقد ورد - وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم"

سيئة يقولوا هذه من عندك - فلم يراع فرق ما بينهما، ولعل بين سياق الآيتين اختلافًا

أوجب في كل واحد منهما ما ذكر فيه) (31) ، فهو ينبه إلى أن ما قاله الزمخشري ليس

مطردا في كل القرآن بل تأتي أحيانا إصابة الحسنات بإن - كما في آية النساء -

ولم أجد في كلام المفسرين الذين اطلعتُ على كتبهم من أشار إلى الفرق

ووجدت في سياقات ُأخر بعض الإشارات التي قد تعين على فهم دلالة ورود (إ ْ ن) في

جانب الحسنة والسيئة في الآية فقد ذكر السكاكي أن هناك من أجاب عن ورود (إذا)

42 -29) الزمخشري ج 2 ص 106، و انظر شروح التلخيص ج 2 ص 41)

30)انظر ص 3 من هذا البحث)

31)ابن المنير: الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، بهامش الكشاف ج 2 ص 102)

408 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا.: في جانب مس الشر في قوله تعالى

فصلت 51، بأن الذي تقتضيه البلاغة"أن يكون. مسه الشر فذو دعاء عريض"

الضمير في مسه ل لمعرض المتكبر، ويكون لفظ (إذا) للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون

ابتلاؤه بالشر مقطوعًا" (32) ، فقد خالفت الآية الاستعمال القرآني ل (إن) في إصابة"

السيئات و جاءت ب (إذا) الدالة على تحقق الوقوع؛ لأن إصابة الشر لمن يعرض عن

ذكر ربه و يتكبر ينبغي أن تكون م ن الأمور المقطوع بها. ولحظت - كما سيأتي - أن

لا يسأم الإنسان من. مجيء (إن) مع مس الرحمة خلافا لعادة القرآن في آية فصلت

دعاء الخير و إن مسه الشر فيئوس قنوط، و لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته

49.ليقولن هذا لي و ما أظن الساعة قائمة و لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى

50، لأن المذكور في آية فصلت إنسان قليل الصبر كثير الشر، و مع ذلك يعامله الله -

و إن مسه. تعالى بلطفه فيبتليه بالشر نادرا، بما دل عليه استعمال (إن) في قوله

نظرا لما. و لئن أذقناه رحمة. و قد يكون مجيء إن في إذاقة الرحمة في قوله .. الشر

ينبغي أن يعامل به لسوء حاله مع ربه. و قد نستطيع القول بمثله في آية النساء وهو أن

إصابة الحسنة لهؤلاء المنافقين ينبغي أن تكون من الأمور نادرة الوقوع و لذلك جيء

.. إن تصبهم حسنة. بقوله

و في سياق آخر وجدت د. أبو موسى في كتابه خصائص التراكيب ي رى أن

إن يكن غنيا أو فقيرا. (إن) قد تأتي لمجرد الربط في بعض السياقات نحو قوله تعالى

النساء 135 و قول الشاعر:. فالله أولى بهما

32)أبو يعقوب السكاكي: مفتاح العلوم ص 243، و انظر القزويني: تلخيص المفتاح، عروس الأفراح)

ضمن شروح التلخيص ج 2 ص 42، الزركشي ج 4 ص 202 وانظر السيوطي: الإتقان ج 1

ص 149

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 409

إذا رأينا ذوي عنايته

لديه خلناهم ذوي رحمه

و إن نزلنا حريمه فلنا

هناك أمن الحمام في حرمه

فهو يقول عن الآية"فإني لا أرى فيها أكثر من مجرد الربط" (33) ، و مثله

دلالتها في بيت الشعر (34) . و هذا الاحتمال وارد أيضا في آية النساء.

وفي سورة الإسراء يأتي موضع آخر لبيان حال الإنسان من الج حود

ونترل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين.: والنكران، يقول تعالى

.إلا خسارا وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا

فهو في حالي النعمة ومس الشر ناكر للجميل، ففي حال إنعام الله عليه يعرض

عن ذكره، و يتباعد تكبرا وبطرا"، فإذا زالت النعمة عنه لم يقلع عن الشرك والكفر"

ويتوب إلى الله، ولكنه ييأس من الخير، ويبقى حنقا ضيق الصدر لا يعرف كيف يتدارك

أمره" (35) . وهذا الخلق الذميم راجع إلى حبه للدنيا، وتولعه بما هو فيه من"

النعم (36) حتى إنها تشغله عن الانصراف للطاعة و تنسيه ذكر المنعم. و لذلك فإنها إذا

زالت عنه و وقع في ضر أو ضيق يضيق صدره، وييأس من رحمة الله، لأنه لم يكن حال

33)د. محمد أبو موسى: خصائص التراكيب ص 331)

34)انظر المرجع السابق)

35)الطاهر: التحرير والتنوير ج 15 ص 193)

36)انظر الرازي ج 21 ص 35،الطاهر ج 15 ص 191)

410 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

النعمة مدركا لمظاهر رحمته الكامنة فيها.

وإذا كان المفسرون مجمعين على أن الموصوفين بالجحود هم الكفار في آية

، (الأعراف، فإنهم في آية الإسراء هنا مختلفون، فيذهب بعضهم إلى أن المراد الكافر (37

ويذهب بعضهم إلى أن المراد جنس الإنسان (38) ، ولكن هناك فريق ثالث لم يصرّح

بالمراد، وإنما نفهم من وصفه لهم أن المقصود الكفار، فمثلا الزمخشري يذكر في

مما يشير إلى أن. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. تفسير (يئوسا) قوله تعالى

المقصود بهم الكفار (39) ، وكذلك يُفهم من كل من الرازي (40) والبقاعي الذي - مع

ذكره أنها للجنس - فسر قوله (يئوسا) بشدة اليأس من رحمة الله (41) ،ومثله

البيضاوي (42) ، وأبو السعود (43) ، ولعل هذا هو الأرجح لأن الإعراض والتكبر عن

ذكر الله وشدة اليأس من رحمته لا تليق إلا بالكافر (44) . إضافة إلى أن اتصال الآية بذكر

كون القرآن شفاءً للمؤمنين خسارا للكافرين، مما يفيد بيان حال الكافر مقابل المؤمن،

37)انظر ابن عطية: المحرر ا لوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 10 ص 338،أبو حيان ج 6 ص 73، الطاهر)

ج 15 ص 191

38)انظر البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات و السور ج 11 ص 498)

39)انظر الزمخشري ج 2 ص)

40)انظر الرازي ج 21 ص 35)

41)انظر البقاعي ج 11 ص 499)

42)انظر البيضاوي بحاشية الشهاب ج 6 ص 57)

43)انظر أبو السعود ج 5 ص 191)

44)كما ذهب الزمخشري وابن عطية والبقاعي وأبو السعود والبيضاوي والشهاب والألوسي: روح المعاني)

في تفسير القرآن العظيم و السبع المثاني في آية فصلت رقم (50) التي تشبه هذه الآية، انظر الكشاف ج

3 ص 457،ابن عطية ج 8 ص 197،البقاعي ج 17 ص 217،أبو السعود ج 8ص 19، حاشية

.الشهاب ج 7 ص 404،الألوسي ج 25 ص 4

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 411

وإلى هذا ألمح كل من أبي حيان (45) ، والطاهر (46) . فالغالب أن الإنسان هنا الكافر الذي

لم يزده القر آن إلا خسارا، فلم يتدبر ما فيه ولم يتعظ به _كما فعل المؤمن _ليكون له

شفاءً من الجهالة، ورحمة يتحقق فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه. وقد

أعقبت الآيات بالإشارة إلى أن هناك سبيلين أو أكثر، والله تعالى مطلع على عمل كل

عامل، وعلى السبيل الذي اختاره. وهي دعوة لهم للتبصر و التأمل ليختاروا الطريق

الحق. و كونها في الكافر فهي تعرض بمن يفعل ذلك من المؤمنين، و تشير إلى أنه لا

ينبغي لهم سلوك سبيل الكافرين.

والآيات هنا تشير إلى شدة كفران الإنسان لربه مقابل لطف الله به، فهذا

الإنسان إذا أنعم الله عليه بأ نواع النعم التي لا يمكن حصرها - بما دل عليه حذف

المفعول (47) - وجاء هذا كثيرا (48) متحقق الوقوع (49) ، فإن ردّه المباشر (50) يكون

بالإعراض عن المنعم والاستكبار عن طاعته، فإذا مسّه - لاستحقاقه ولطف الله به - أدنى

قدر من هذا النوع المسمى (الشر) ، وهذا جدير به لإعراضه ع ن القرآن، ييأس من رحمة

ربه ويبالغ في هذا اليأس كما دلت عليه صيغة المبالغة (كان يئوسا) . بل إن فعل الكون

د ّ ل على رسوخه في هذه الصفة الذميمة (51) وهذا أدعى للعجب؛ فإن إعراض المنعم

عليه لانشغاله بالنعمة أمر وارد حسب جبلة الإنسان المطبوعة على الغفلة والنسيان. أما

45)انظر أبو حيان ج 6 ص 73)

46)انظر الطاهر ج 15 ص 191)

47)انظر البقاعي ج 11 ص 498، و انظر شروح التلخيص ج 2 ص 140)

48)انظر الكشاف ج 2 ص 106 في تفسير آية الأعراف 131، وكل من البقاعي ج 15 ص 95،الشهاب ج)

.7 ص 122،الألوسي ج 21 ص 43 في تفسير آية الروم 36

49)بما دلت عليه (إذا) من كونها للمتحقق، انظر ص 2 من هذا لبحث.)

.50) بما دلت عليه (إذا) من تعقيب جوابها لشرطها دون تأخر، انظر الزركشي ج 4 ص 203)

.51) انظر الطاهر ج 15 ص 193)

412 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

يأسه من رحمة ربه حال الضر فأمر مستغرب، لأن الشدائد - كما سبق - ترقق

القلوب.

وقد أشار الرازي إلى حاله هذا بقوله:"والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة"

اغتر بها فنسي ذكر الله، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن،

ولم يتفرغ لذكر الله تعالى، فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى

ربي. إلى قوله. فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرمن.

إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسّه الشر جزوعا وإذا مسّه الخير. وكذلك قوله. أهانن

(52) ". منوعا"

ومما هو جدير بالالتفات إليه دلالة (إذا) هنا على الاستمرار (53) ، ودلالتها على

العموم (54) ،فأما الاستمرار فإنها تدل على أن هذا شأنهم أبدا ومستمر، وأما العموم فهي

تعني أنهم كلما ُأنعم عليهم أعرضوا وتكبروا، وكلما مسّهم الشر يئسوا، وهذان

الأمران يقويان كون المراد بالإنسان الكافر في هذه الآية، لأن هذا ا ُ لخُلق ليس من أخلاق

المؤمنين الذين إذا ُأعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا لجأوا إلى الله تعالى لينقذهم مما هم فيه، لإيمانهم

بربهم وصدق يقينهم في مشيئته وقدرته ورحمته.

وفي سورة الروم موطن مشابه للموطن السابق في اليأس حال النقمة، يقول

وإذا أذ قنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم. تعالى

.52) الرازي ج 21 ص 35،36)

.53) انظر الزركشي: البرهان ج 4 ص 194،وانظر السيوطي: الإتقان ج 1 ص 149)

.54) انظر ابن عقيل:المساعد ج 3 ص 156،155،الزركشي ج 4 ص 203)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 413

-(الروم 36، والناس هنا - كما يفهم من كلام أغلب المفسرين (55. يقنطون

و إذا مس الناس ضر. الكفار المذكورون في الآية السابقة على هذه وهي قوله تعالى

دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إ ذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما

حال المشرك الظاهر شركه بيَّن حال المشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته للدنيا،

فإذا آتاه رضي و إن منعه سخط و قنط" (56) ، فهؤلاء يقابلون نعمة الله تعالى ورحمته"

بالفرح والبطر، وابتلاءه بالقنوط واليأس. والآية أيضا _كمثيلاتها_تبين بُعد ما بين رحمة

الله بهم وكفرانهم له تعالى، فمع تحقق ذوقهم للرحمة وتنعمهم بأنواع الخصب والسعة

والصحة، وقلة وندرة إصابتهم بالسيئة - بما دلت عليه أداة الشك (إن) والفعل

المضارع (57) - فإنهم حال النعمة يبطرون، وحال الإصابة بالسيئة - مع أنها بسبب

سيئاتهم - يبادرون إلى القنوط دون تمهّل بما دلت عليه (إذا) الفجائية (58) . وحالهم هذا مع

ذوق النعمة - وهو ما يصيبهم منها من أقل القليل (59) - من الفرح والبطر دائم

ومستمر (60) . فهم كلما حصلت لهم فرحوا به ا لذاتها لا لكونها من الله، وفيه كما ذكر

55)انظر الزمخشري ج 3 ص 223، ابن عطية ج 12 ص 261، البقاعي ج 15 ص 94، أبو السعود)

ج 7 ص 61، حاشية الشهاب ج 7 ص 123 المتن و الهامش، الألوسي ج 21 ص 43

56)الرازي ج 25 ص 123، و انظر الطاهر ج 21 ص 100)

57)ذكر ذلك البقاعي والشهاب في آية الروم 48، انظر البقاعي ج 17 ص 350، حاشية الشهاب ج 7)

.ص 428

، 58) انظر سيبويه ج 4 ص 232، ابن هشام: مغني اللبيب ص 120، الزركشي ج 4 ص 190)

194، السيوطي: همع الهوامع ج 1 ص 207، السيوطي: الإتقان ج 1 ص 148

.59) انظر الرازي ج 25 ص 121)

.60) انظر الزركشي: البرهان ج 4 ص 194،السيوطي ج 1ص 149)

414 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

الرازي"إشارة إلى دنو همتهم و قصور نظرهم، فإن فرحهم يكون بما وصل إليهم لا بما"

وصل منه إليهم" (61) ، وهو أمر متكرر منهم (62) . وإن أصابتهم السيئة نادرا بادروا"

بالقنوط واليأس، بل واستمروا فيه بدلالة المضارع (63) .وهذا م ن قلة معرفتهم بربهم وأنه

بيده ملك السماوات والأرض يبسط الرزق و يقدره بمشيئته، ولو عرفوا ذلك لمنعهم

أو. من اليأس حال إصابتهم السيئة، وهو ما جعل القرآن الكريم يعقب هذه الآية بقوله

، {37} . لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون

يقول ابن عطية:"ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله على حال، وهو"

أن الله تعالى يخص من يشاء من عباده ببسط الرزق ويقدر على من شاء منهم" (64) .فالله"

تعالى هو المالك الحقيقي للملك، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا لضرها دفعا، ومن هنا

ذهب الزمخشري إلى أن مغزى الآية الأخيرة هو الإنكار عليهم، يقول:"ثم أنكر عليهم"

بأنهم قد علموا أنه هو الباسط القابض فما لهم يقنطون من رحمته" (65) ، ويتعاضد مع هذا"

الفهم ما ذكره الطاهر بن عاشور من أن القنوط هو محل الإنكار، وهو ما جعل الحال

تقتضي تقديم إصابة الرحمة، يقول:"وقُدّمت في هذه الآية إصابة الرحمة على إصابة"

السيئة، عكس التي قبلها؛ للاهتمام بالحالة التي جُعلت مبدأ العبرة وأصل الاستدلال،

وصف لحال الناس عندما تصيبهم الرحمة ليبني عليها ضده في قوله. فرحوا بها. وقوله

61)الرازي ج 25 ص 123 آية الروم 36)

62)بما أشار إليه ابن عصفور ونقله عنه ابن عقيل في المساعد ج 3 ص 156،155،والزركشي ج 4)

.ص 203

.63) انظر البقاعي ج 15 ص 95،حاشية الشهاب ج 7 ص 123،الألوسي ج 21 ص 43)

.64) ابن عطية ج 12 ص 262،وانظر أبو حيان ج 7 ص 169)

65)الزمخشري ج 3 ص 223،وانظر البقاعي ج 15 ص 95،أبو السعود ج 7 ص 61،حاشية الشهاب)

.ج 7 ص 123 المتن والهامش، الألوسي ج 21 ص 43،الطاهر ج 21 ص 101

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 415

لما يقتضيه القنوط من التذمر و الغضب ... فالقنوط هو محل الإنكار. إذا هم يقنطون.

لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسّه الشر فيئوس. عليهم، وهذا كقوله تعالى

في أن محل التعجيب هو اليأس والقنوط" (66) فالآية تُنكر عليهم هذا القنوط، ثم. قنوط"

تتبعه بإنكار آخر لإهمالهم التأمل في سنة الله سبحانه وتعالى في تقس يم الرزق. وإذا أراد

الباحث أن يوازن بين تعقيب هذه الآية بقوله: أولم يروا ... وتعقيب شبيهتها في

الإسراء بقوله:"قل كل يعمل على شاكلته ... التي رأى فيه بعض المفسرين"

تهديدًا (67) ؛ يجد فرقا بين مجرد الإنكار في آية الروم وإخبار الله بعلمه الذي يفيد مجاز اته

كل عامل بعمله (68) في الإسراء، ولعل السبب في هذا هو أن آية الإسراء قد ذكرت

انقسام الناس تجاه القرآن إلى فريقين، فريق يجد فيه الشفاء والرحمة، وفريق يكون عليه

القرآن خسارا، وهو ما ناسب أن يُخبر تعالى أنه أعلم بطريقة كل من الفريقين، أما آية

الروم فقد جاءت عقب فيض من آيات الله في الكون وسننه الربانية، ومن ضمنها بسطه

الرزق لمن يشاء وتقتيره على من يشاء، وجاء ذكر موقف الإنسان الجاحد مدمجا في

تعداد نعم الله تعالى مما جعل الآيات تحمل دلالة النصح لا التهديد مثل سابقتها التي يُذكر

فيها تعقيب إحدى الحالين بالأخرى وهي إصابة الرحمة بعد الضر.

وتشبه آية الروم في سبقها بآية تذكر ذوق الرحمة بعد مس الضر آية فصلت

وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء. يقول تعالى

ولئن أذقناه رحمة. 51 بعد قوله تعالى الذي سيأتي ذكره في القسم الثاني. عريض

.66) الطاهر ج 21 ص 101،100)

67)انظر ابن عطية ج 10 ص 339، ابن كثير ج 4 ص 344)

68)انظر الشهاب ج 5 ص 17 في تفسير آية يونس 22)

416 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

غالبا - وإن كان بعض المفسرين يذكر ما يوهم أن المراد به غير الكافر (69) - و قد صرّح

ابن جرير (70) والرازي (71) أن المراد به الكافر. وتوجيه المفسرين لقوله تعالى (أعرض)

على أنه بمعنى أعرض عن ذكر الله وتعظيمه لأمره (72) ولقوله (نأى بجانبه) إلى معنى

لوى عطفه واستكبر (73) يشير إلى أن المراد الكافر. ثم إن السياق كله في ذكر الكفار،

و إشارة بعض المفسرين إلى أن الجحود وإن كان في الإنسان عامة فإن الإيمان بالله

يهذبه (74) ، يجعل المقصود به في هذا السي اق الكافر. فالإنسان هنا إذا أنعم الله تعالى

عليه أعرض عن ذكره وطاعته، وإذا مسه الشر أسرع إلى الابتهال ليخرج مما هو فيه.

ولا مع قوله في موضع. فيئوس قنوط. و لا يتنافى هذا مع يأسه في الآية السابقة لها

الإسراء 83، لأن دعا ءه هنا لانشغاله بالنعمة. وإذا مسه الشر كان يئوسا. آخر

عن المنعم و حزنه على فواتها، و ليس اعترافا منه بفضل الله عليه. و لعل

دون (دعانا أو دعا ربه) يشير إلى هذا، فهو حال مسه الشر. ذو دعاء. قوله

يضيق صدره و يفزع إلى الدعاء برجوع النعمة ناسيا أنه كان - حال النعمة - معرضا

عن ا لمنعم تاركا لدعائه، و هذا"بيان ما طبع عليه الإنسان من الرغبة في الخير و السعة،"

والنفرة و الكراهة للشدة والبلاء لا حقيقة ما ذكر بل إنه حريص الطمع هلوع الجزع

69)انظر الزمخشري ج 3 ص 457، ابن عطية ج 14 ص 198، البقاعي ج 17 ص 221، حاشية الشهاب)

ج 7 ص 405، الطاهر ج 25 ص 14

70)انظر ابن جرير ج 25 ص 403)

71)انظر الرازي ج 27 ص 138)

72)انظر الزمخشري ج 3 ص 457، الرازي ج 27 ص 138، البقاعي ج 17 ص 221، أبو السعود ج 8)

ص 19

73)انظر المصادر السابقة، و حاشية الشهاب ج 7 ص 405 المتن و الهامش)

74)انظر ابن عطية ج 14 ص 198، الطاهر ج 25 ص 14)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 417

قولا و فعلا، حتى إنه لعدم اعتماده على خالقه و سخافة عقله أحواله متناقضة،

و ظاهره مناف لباطنه، وهو لشدة ذهوله وولهه و اضطرابه يصعد في هبوطه و يدعو مع

قنوطه، كما أشار إليه السمرقندي في تفسيره، و تبع أثره المدقق في الكشف، حيث

قال: في ذكر الوصفين ما يدل على أنه عديم النهية ضعيف الهمة إذ اليأس و القنوط

ينافيان الدعاء العريض، و أنه كالغريق المتمس ك بكل شيء" (75) . ونقل الألوسي عن"

بعض الأجلة أن"التضرع جزعا على الفقد ليس رجوعا إلى المنعم بل تأسفٌ على الفقد"

(المشغل عن المنعم كل الإشغال"(76"

قل أرأيتم إن كان. أما أواخر الآيات فمن الملحوظ هنا أنه أعقبت بقوله تعالى

خفيا من التمادي في الكفر بإلزامهم بالحجة و فيه"حث على التأمل، و استدراج"

للإقرار، مع ما فيه من سحر البيان، و حديث الساعة وقع في البين تتميما للوعيد، و

تنبيها على ما هم عليه من الضلال البعيد" (77) ، و لعل هذا التحذي ر مما يلائم السياق"

العام للسورة من ذكرها لجزاء الكافرين من الأمم السابقة. و عموما لا نلمس قوة في

التهديد فيما يعقب الآيتين هنا آية الروم، و آية فصلت. و لعل السبب في ذلك - في

حال كون المقصودين هنا هم الكفار المذكورون في الآية السابقة على هذه - تقدم ذكر

و في. ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون. العقوبة في قوله في سورة الروم

أو لعله،. فلننبئن الذين كفروا بما عملوا و لنذيقنهم من عذاب غليظ. سورة فصلت

-وهو الأولى حسب اعتقادي - لجأ إلى الإقناع لا إلى التهديد الشديد بذكر آيات

75)حاشية الشهاب ج 7 ص 406، و قد ألمح إلى قريب من هذا المعنى البقاعي ج 17 ص 222)

76)الألوسي ج 25 ص 5)

77)حاشية الشهاب ج 7 ص 406)

418 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

القدرة في آية الروم و المح اجة في فصلت؛ لأن الإنسان في الآيتين موضع الدرس لم يبلغ

درجة كبيرة من التمرد و التعدي كالذي في الآيتين اللتين سبقتهما من الإشراك بالله في

الأولى، و الجرأة عليه بإنكار البعث في الثانية.

و قد أشار السكاكي - كما سبق أن ذكر (78) - إلى الحكمة من خروج هذه

الآية عن عادة القرآن في استعمال (إذا) التي تأتي غالبا مع ذكر الإنعام و أتت هنا مع

مس الشر، و أشار البقاعي إلى حكمة أخرى في استعمال أداة التحقيق (إذا) فقال:

"فقال معبرا في جانب الشر بأداة التحقيق على غير عادة القرآن في الأغلب ليدل على"

أنه لزيادة جهله على الحد الذي يلزم الكبر و إن كان يتوقع الشر، و لا يزال حاله حال

الآمن إلى أن يخالطه و حينئذ تنحل عراه و تضمحل قواه" (79) ، فهو يرى أن (إذا) أتت"

للدلالة على حال هذا الجاهل من توقع حصول الشر، فالفرق بين رأيه و رأي الخطيب

أنه وجَّه تحقق الوقوع إلى توقع الإنسا ن ذاته، في حين وجهه الخطيب إلى وجه استحقاقه

له من الله تعالى. و بهذا تتضح الحكمة من مجيء (إذا) في تحقق وقوع الحالين(الإنعام

و مس الشر). و قد رأى البقاعي امتداد زمن الجواب على قدر امتداد زمن

الشرط مع (إذا) حيث قال:"جعل ظرف النعمة ظرفا للإ عراض، من غير"

أي انحرف عن سواء القصد. أعرض.": خوف من نزعها" (80) ، و قال في مقابله

إلينا عنا، في جميع مدة النعمة بما أفهمه الظرف" (81) . و قد أشار إلى هذا المعنى في أكثر"

78)انظر ص 8 من هذا البحث)

79)البقاعي ج 17 ص 222)

80)المصدر السابق ص 221)

81)المصدر السابق)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 419

من موضع (82) ، فهو يحدد زمن الجواب بزمن الشرط. و لم أجد هذا المعنى في كتب

النحو التي ا طلعت عليها، ووجدت الزركشي يذكر امتناع"دخول (إذا) على"

المشكوك إذا لحظت فيها الظرفية؛ لأن المعنى حينئذ التزام الجزاء في زمان وجود

الشرط" (83) ، و ينقل عن ابن الزبير"أن جواب الشرط فيها يعقب فعل الشرط على

الاتصال و لا يتأخر عنه" (84) . و الذي يفهم من نص الزركشي و ابن الزبير تقييد ابتداء"

زمن الجواب بابتداء وقوع زمن الشرط. و لعل البقاعي فهم امتداد زمن الجواب على

مقدار زمن الشرط من دلالة إذا على الاستقبال، كما ذكر النحويون (85) ، فهو يريد أن

يقول إن الإعراض ممتد في زمن وجود النعمة الحاصلة في الزمن المستقبل ب دلالة (إذا)

على الاستقبال، و كذلك الدعاء ممتد في زمن مس الشر. وهو أمر متكرر منهم بما دل

عليه معنى العموم في (إذا) و مستمر بما دل عليه الاستمرار فيها. و اختلفت جملتا

جواب الشرط بين حال الإنعام و مس الشر حيث جاءت الأولى فعلا ماضيا"إيذانا بأن"

المعرض مسيء لمجرد الإعراض" (86) ، و الثانية جملة اسمية مفتتحة بلفظ (ذو) للدلالة"

على الملازمة و الدوام" (87) ، فإعراضهم المتكرر عند الإنعام محقق بدلالة الماضي،"

ودعاؤهم المتكرر عند مس الشر دائم بدلالة (ذو) .

و في سورة الشورى موطن يلتقي مع آية الروم السابق ذك رها في الفرح حال

82)انظر المصدر السابق ج 9 ص 95)

83)الزركشي ج 4 ص 201)

84)المصدر السابق)

85)انظر ص 2 من هذا البحث)

86)البقاعي ج 17 ص 221)

.87) المصدر السابق ص 222)

420 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

النعمة و القنوط حال إصابة السيئة، يقول تعالى مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم عن

فإن أعرضوا فما أرسلناك. تكذيب قومه (88) ، لأنه مبلغ لهم و ليس حفيظا عليهم

عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها و إن تصبهم

و إنا إذا أذقنا. 4، فوجه تعلق جملة. سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور

بما قبلها هو الغرور الذي أصاب هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه و سلم ....

حين"وجدوا في الدنيا سعادة و كرامة. و الفوز بمطالب الدنيا يفيد الغرور و الفجور"

89)، فمن شأن هؤلاء حال)".... و إنا إذا أذقنا. و التكبر و عدم الانقياد للحق فقال"

حصول أقل قدر من النعمة - بما دل عليه فعل الذوق - الفرح بها و الغرور بسببها.

فإذا أذاقهم الله تعالى منه رحمة كثيرة واسعة من الغنى و الصحة و سعة العيش - بما دلت

عليه (إذا) - يبطرون بسببها و يتعاظم كبرهم، و إن أصابهم نادرا شيء قليل من

السيئات - بما دلت عليه (إن) و تنكير سيئة (90) و صيغة الفعل المضارع (91) - بسبب ما

قدموا من أعمال سيئة؛ يكفرون و يجحدون نعمة ربهم. ومن هنا أعقبت الآيات بقوله

لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن ي شاء إناثا ويهب لمن يشاء. تعالى

المال والجاه وحثه على الحرص على المزيد من الطاعة إذا علم أن الكل ملك لله، و ما

88)انظر الرازي ج 27 ص 183، ابن عطية ج 14 ص 234، أبو حيان ج 7 ص 502، البقاعي)

ج 17 ص 348، الطاهر ج 25 ص 133

89)الرازي ج 27 ص 184)

90)انظر شروح التلخيص ج 2 ص 42)

91)انظر الب قاعي ج 17 ص 350، حاشية الشهاب ج 7 ص 428، الألوسي ج 25 ص 53 في دلالة)

المضارع على التقليل

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 421

.(تحقق له من الخيرات فبإنعام من الله و فضله (92

و مع اختلاف المفسرين في المر اد بالإنسان في الآية"فمنهم من حملها على"

خصوص الإنسان الكافر بالله مثل الزمخشري و القرطبي و الطيبي، و منهم من حملها

على ما يعم أصناف الناس مثل الطبري و البغوي و النسفي و ابن كثير، و منهم من

حملها على إرادة المعنيين على أن أولهما هو المقصود و الثاني مندر ج بالتبع، و هذه طريقة

البيضاوي و صاحب الكشف، و منهم من عكس و هي طريقة الكواشي في

تلخيصه" (93) ، فلعل الأقرب للمعنى المراد أن الإنسان هنا الكافر، و ذلك لإجماع"

المفسرين على أن الإسلام يمنع من هذا الكفران و التخلق بأخلاقه يهذب الجبلة الإنسانية

التي خلق الإنسان عليها.

و هناك موضع في القرآن اختلف المفسرون في دلالة (إذا) فيه على الشرط

فأما الإنسان إذا ما. وهو قوله تعالى حاكيا عن الكفار مقولتهم حالي السراء و الضراء

ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن و أما إذا ما ابتلاه فتاوى قاضيخاندر عليه

والبيضاوي و الشهاب (95) ، و الألوسي (96) ، و الطاهر (97) إلى أن الشرط مستفاد

92)انظر الرازي ج 27 ص 184، البقاعي ج 17 ص 352، الألوسي ج 25 ص 53)

93)الطاهر ج 25 ص 134)

، 94) انظر أبو السعود ج 9 ص 156)

95)انظر حاشية الشهاب ج 8 ص 358 المتن و الهامش)

96)انظر الألوسي ج 30 ص 125)

97)انظر الطاهر ج 30 ص 324)

422 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

، (من(أما) بمعنى مهما يكن من شيء، و أن (إذا) ظرفية. و نقل الشهاب (98

و الألوسي (99) عن أبي البقاء أن إذا شرطية. و على كلا ال قولين يفهم أن الإنسان حال

وجوده ما يسره فإنه يفرح به ظانا استحقاقه له، وحال وجوده ما يسوؤه فإنه يضيق

بذلك ذرعا ولا يلتفت إلى أصل الحكمة في الابتلاء. و لما كان هذا الظن منه في كلا

كلا. الحالين غير صحيح، فقد أجيب ب (كلا) الرادعة عن هذا القول فقال تعالى

بل لا تكرمون اليتيم و لا تحاضون على طعام المسكين و تأكلون التراث أكلا لما و تحبون

{20 - 17} . المال حبا جما

وذهب عدد من المفسرين إلى أن المراد بالإنسان هنا هو الكافر (100) ، لأن هذه

مقولة كفار قريش، وأغلبهم على أن لفظ (كلا) ردع عن مقولته حالي السراء

والضراء، إشارة إلى أن الابتلاء بالنعمة ليس إكراما، و الابتلاء بتقتير الرزق ليس

إهانة، فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء، و يقدره على من يشاء، ثم ذكر ما هو أسوأ

من هذا القول، وهو عدم إكرامهم اليتيم و الحض على طعام المسكين، و التكالب على

متاع الحياة، و فيه تو بيخ لهم. و في مجيء الآيات متوسطة بين ذكر تمرد الأمم الطاغية

و عقاب الله تعالى لهم و بين قيام الساعة، تلويح بالعقاب لمن يتمادى في سوء القول

والعمل المشار إليه فيها.

و قد صورت الآيات ديدن هذا الإنسان بعدة أمور:

98)انظر حاشية الشهاب ج 8 ص 359)

99)انظر الألوسي ج 30 ص 126)

100)انظر ابن عطية ج 16 ص 297، أبو حيان ج 8 ص 465، أبو السعود ج 9 ص 156، حاشية)

الشهاب ج 8 ص 358، الألوسي ج 30 ص 125،الطاهر ج 30 ص 324

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 423

1 - (إذا) بما تفيده من العموم، فكلما تحقق ل ه نعمة تجدد القول بأنه تكريم

له، و كلما تحقق له تقتير تجدد القول منه بأنه إهانة له، و بما تفيده من الاستمرار، أي

أن هذا شأنه دائما و مستمر.

فيقول،. 2 - الفعل المضارع الذي يفيد التجدد و الاستمرار في قوله

.فيقول

و قد توقف الرازي في آيتي الفجر عند مجيء (أما) الأولى بالفاء و الثانية

بالواو، و ذكر في الجواب عن ذلك أن"رحمة الله سابقة على غضبه، و ابتلاءه بالنعم"

سابق على ابتلائه بإنزال الآلام، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم - يقصد الإكرام -

. (102) ". و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. و قبله الثاني (101) على ما قال"

و بالتأمل في الآيات السابقة نجد أن إذاقة الرحمة و الإنعام أتت مسندة إلى

ضمائر العظمة في حين أن إذاقة السيئات و الشر لم تسند إليها. وقد ذهب كثير من

.(المفسرين إلى أن ذلك تعليما للأدب مع الله تعالى(103

و لابن قيم الجوزية قول جليل في هذا - في تفسيره لمعنى قوله صلى الله عليه

و سلم:"والشر ليس إليك"- يقول:"إن النعيم والثواب من مقتضى رحمته"

ومغفرته وبره وكرمه ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه. وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من

مخلوقاته، ولذلك لا يسمى بالمعاقب و المعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه

101)يبدو أن في العبارة هنا تحريفا)

102)الرازي ج 31 ص 171)

، 103) انظر على سبيل المثال أبو السعود ج 5 ص 191 في آية الإسراء 83، البقاعي ج 15 ص 95)

حاشية الشهاب ج 7 ص 122، الألوسي ج 21 ص 43 في آية الروم 36، البقاعي ج 17

ص 222، الطاهر ج 25 ص 15 في آية فصلت 51

424 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

نبيء عبادي أني أنا الغفور. وهذا من مفع ولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى

مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها، و لا سيما إذا كان محبوبا له وهو غاية

مطلوبة في نفسها، وأما الشر الذي هو العذاب فلا يدخل في أسمائه و صفاته، و إن

دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال و فني، بخلاف الخير فإنه سبحانه دائم

المعروف لا ينقطع معروفه أبدا. وهو قديم الإحسان أبدي الإحسان، فلم يزل و لا يزال

محسنا على الدوام، وليس من موجب أسمائه و صفاته انه لا يزال معاقبا على الدوام

غضبان على الدوام منتقما على الدوام، فتأمل هذا الوجه تأمل فقيه في باب أسماء الله

وصفاته يفتح لك بابا من أبواب معرفته و محبته" (104) . و هذا إن كان في باب الأسماء"

والصفات، و لكنه يندرج ضمن ما نحن فيه من أنه تعالى لم يسند في الآيات موضع

الدراسة إصابة السيئات أو الشر إليه.

و بالتأمل أيضا نجد أن الإنسان في حال النعمة يفرح بها و يبطر بسببها،

فيعرض عن ذكر ربه، و في حال النقمة يضجر و يضيق صدره و ييأس منكرا نعمة ربه،

فإذا ما ذهبنا نبحث عن السبب في البطر نجد أن الرازي يذكر في آية الشورى أنه عدم

الإيمان بسعاد ات الآخرة، فيقول:"و هذه طريقة من يضعف اعتقاده في سعادات"

الآخرة" (105) . و ذكر الألوسي أن ذلك التكبر و البطر عند حلول النعمة انشغال"

بالنعمة عن المنعم (106) . و كذلك اليأس فهو يحزن لفقد هذه النعم دون أن يتأمل ما

وراءها من الخير و لا يعرف من وهبه إياها حق الم عرفة. و لذلك ختمت هذه الآيات

56 -104) شمس الدين الزرعي الدمشقي: أسماء الله الحسنى ص 55)

105)الرازي ج 27 ص 184)

106)انظر الألوسي ج 25 ص 5 في آية فصلت 51)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 425

بذكر ملك الله تعالى للسماوات و الأرض و ما فيهن.

و قد تفاوتت الآيات في مجيء الشرط ب (إن) و (إذا) الظرفية التي تحمل

معنى الشرط. و كان الغالب أن تأتي (إذا) مع حصول الخير و الحسنات، و (إن)

مع إصابة الشر و السيئات إلا ما خرج عن هذه العادة القرآنية لغرض بلاغي، و قد

أشير إلى ذلك في موضعه.

ووجدت البقاعي يذكر في دلالة (إذا) مجيء الأمر من جهة متوقعة و (إن)

من جهة غير متوقعة (107) . و لم أجد أحدا من النحويين أو المفسرين أشار إلى مثل هذا،

و لعله استفاد هذه الدلالة من معنى تح قق أو رجحان الوقوع في (إذا) و ندرة و احتمال

الوقوع في (إن) .

و يلحظ في خواتيم الآيات هنا أو ما يعقبها نوع من المحاجة و الإقناع، و دعوة

للتأمل في ملكوت الله. و في بعض السياقات تحمل في طياتها تلويحا بالتهديد لا يصل إلى

الدرجة التي سنلمحها في القسمين الآ خرين. و لعل السبب - كما سبق أن ذكر - أن

نكرانهم لم يتعد إلى الإشراك بالله أو التطاول على ربهم كما سيأتي في القسمين الثاني

والثالث من آيات هذا البحث.

و هناك حال أخرى للإنسان وهو أن تعقب السراء الضراء أو العكس، و فيها

107)انظر على سبيل المثال ج 17 ص 221 آية فصلت 51، ج 9 ص 83 آية يونس 12، ج 9)

ص 242 آية هود 9، ج 16 ص 528 آية الزمر 50، ج 5 ص 335 آية النساء 78

426 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

نجد الإنسان يتجاوز في حال مجيء الرحمة بعد الضر الفرح إلى الاجتراء على الله بالكفر،

في حين أنه كان منكسرا داعيا الله وحده حال الضر، وهذا يخالف حاله في القسم الأول

.و لعل السبب في ذلك أن اللجوء إلى الله في الشدائد في أصل فطرة الإنسان، و إلى

هذا أشار بعض المفسرين (108) ، في حين ك ان السبب في اليأس المذكور في القسم الأول

هو انشغال الإنسان بالنعمة، و تألمه و ضجره لفقدها. والملحوظ أن أغلب آيات هذا

النوع ذكر فيها تعقيب الضر بالرحمة عدا موضع واحد هو آية هود.

وإذا أذقنا الناس رحمة من. ومن مواضع تعقيب الضراء بالسراء قوله تعالى

بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما

يونس 21، فحصول النعمة بعد الضراء التي تركت أثرها فيهم (109) أدى. تمكرون

بهم إلى التمرد و العصيان. و هذا خلق ذميم فيهم يصرفهم عن الإيمان، و يذهب بفائدة

نزول الآيات التي يقترحونها على ا لرسول عليه السلام، وهو خلق المكر و اللجاج

وعدم الإنصاف (110) ، فإنه خليق بمن يذيقه الله رحمته، و يرفع عنه ضره أن يؤمن به

ويشكره، و لكن هؤلاء على العكس من ذلك يسارعون للتكذيب بالآيات، و المكر

فيها، و يطلبون الغوائل، و من هنا لم يكن لإرسال الآيات فائدة. يقول في ذلك الرازي

و إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه.: شارحا هذا الأمر، و مفرقا بين الآية و قوله

108)انظر على سبيل المثال: البقاعي ج 9 ص 95 آية يونس 21، و ج 15 ص 92 في تفسير آية الروم)

109)انظر الزمخشري ج 2 ص 231، أبو حيان ج 5 ص 140، أبو السعود ج 5 ص 133، الألوسي)

ج 11 ص 93

65 -110) انظر الرازي ج 17 ص 64)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 427

إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نح ن في .... و إذا مس. هذه السورة وهو قوله تعالى

تفسيرها دقيقة أخرى ... هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة و يطلبون الغوائل ... فثبت

(بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل"(111"

وقد عبرت الآية عن سرعة تقلبهم و كفرهم بعدة أمور"و ذلك بلفظ أذقنا"

كأنه قيل أول ذوق الرحمة قبل أن يداوم استطعامها مكر، و بلفظ (من) المشعرة

بابتداء الغاية: أي ينشيء المكر إثر كشف الضراء لا يمهل ذلك، و بلفظ (إذا)

الفجائية الواقعة جوابا ل (إذا) الشرطية أي وقت إذاقة الرحمة فاجأوا بالمكر" (112) . وفي"

إشارة البقاعي إلى امتداد زمن جواب الشرط بامتداد زمن فعل ه في قوله:"و ذلك أنهم"

عامة إذا أكرموا بنعمة قابلوها بكفر، جعلوا ظرفه على مقدار ظرف تلك النعمة، بما

أشار إليه التعبير بإذا" (113) ، ما يبين شدة سوء أخلاقهم و فساد طباعهم حيث أنهم"

يزدادون في الكفر كلما ازدادوا إكراما بالنعمة، وهم مستمرون على هذا الأمر أبد ا

كما قال:"لم يختلف حالهم في هذا قط" (114) ، يقصد بهذا معنى الاستمرار الذي تدل

عليه (إذا) بشمولها للأزمان الثلاثة: الماضي و الحاضر والمستقبل (115) . و لما كانت

111)الرازي ج 17 ص 65)

112)أبو حيان ج 5 ص 140، و انظر البقاعي ج 9 ص 96)

113)البقاعي ج 9 ص 95)

114)المصدر السابق)

115)انظر الزركشي ج 4 ص 197، السيوطي ج 1 ص 149)

428 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

116)، ثم تهددهم). قل الله أسرع مكرا. مفاجأتهم المكر فيها معنى المسارعة قال تعالى

لأن كتابة الأعمال تستعمل كناية عن؛. إن رسلنا يكتبون ما تمكرون. بالعذاب بقول ه

وقوع جزائها كما صرح بذلك الشهاب (117) ، وفي الالتفات إلى خطابهم تشديد في

.(التوبيخ لهم (118

والناس هنا مقصود بهم الكفار كما ذهب أغلب المفسرين (119) . و ذهب ابن

، (عطية و أبو حيان إلى أنها تتناول ا لعاصين(120) . ورد هذا القول الشهاب (121

والألوسي (122) ؛ لأن ذكر المكر في آيات الله ينافيه ويلائم حال الكفار. وفي مجيء الشرط

ب (إذا) دلالة على سعة رحمة الله تعالى بهؤلاء وتحقق إذاقته لهم الرحمة بعد إصابتهم

بالضر في أدنى درجاته بما عبر عنه فعل المس.

و لئن. و في سورة هو د موطن لتعقيب إحدى الحالين بالأخرى، يقول تعالى

أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور، و لئن أذقناه نعماء بعد ضراء

مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور، إلا الذين صبروا و عملوا الصالحات

116)انظر الزمخشري ج 2 ص 231، أبو حيان ج 5 ص 140، البقاعي ج 9 ص 96، حاشية)

الشهاب ج 5 ص 17 المتن و الهامش، الطاهر ج 11 ص 133

117)انظر حاشية الشهاب ج 5 ص 17)

118)انظر أبو السعود ج 5 ص 133)

119)انظر ابن جرير: جامع البيان في تفسير القرآن ج 11 ص 70، الزمخسري ج 2 ص 231، الرازي)

ج 17 ص 64، البقاعي ج 9 ص 95، أبو ا لسعود ج 5 ص 133، البيضاوي و الشهاب ج 5

ص 17، الألوسي ج 11 ص 93، الطاهر ج 11 ص 132

140 120) انظر ابن عطية ج 9 ص 23، أبو حيان ج 5)

121)انظر حاشية الشهاب ج 5 ص 17)

122)انظر الألوسي ج 11 ص 93)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 429

الكافر (123) ، أو الجنس المستثنى منه المؤمنون (124) مما يعود بدلالته إلى الكافر - منشغل

ومستغرق في التلذذ بأدنى قدر من النعمة يحصل له بما عبّر عنه فعل الذوق، حتى إذا

نزعت منه - مع حبه الشديد لها وحرصه عليها (125) - فإنه ييأس ويقنط من عودتها

ويكفر ويجحد معطيها فلا يشكره بل يظهر عبارات السخط والضجر (126) . وفي هذا

الجحود والتسخط جراءة على الله، وسوء أدب مع المتفضل بالنعم لا يليق بجلاله، فهو

مالك الملك، وبيده خزائن السماوات والأرض، وله أن يعطي وله أن يمنع.

ثم يذكر القرآن الحال المقابلة وهي حصول النعمة بعد الضر، ففي حال ذوق

الإنسان أقل قدر منها بعد أن مسه أقل الضرر بطر وجهل بقوله: ذهب السيئات

عنِّي (127) ، وتبجح وتفاخر (128) ، وفي الإشارة إلى مبادرته بالتمرد والعصيان حال تحقق

القليل من الخير له، بعد أن أصابه الضر أدنى إصابة (129) ؛ دليل جهله بح قائق الأشياء،

، 191، أبو السعود ج 4 ص 190، 123) انظر ابن جرير ج 12 ص 6، الرازي ج 17 ص 190)

.حاشية الشهاب ج 5 ص 78 المتن والهامش، الألوسي ج 12 ص 15، الطاهر ج 12 ص 12

124)انظر الزمخشري ج 2 ص 60، ابن عطية ج 9 ص 112، الرازي ج 17 ص 190، أبو حيان ج 5)

243، أبو السعود ج 4 ص 190، حاشية الشهاب ج 5 ص 78 - ص 206، البقاعي ج 9 ص 242

المتن والهامش.

.125) انظر أبو السعود ج 4 ص 190، والألوسي ج 12 ص 15)

.126) انظر الطاهر ج 12 ص 13)

.127) انظر ابن عطية ج 9 ص 112)

.128) انظر الطاهر ج 12 ص 14)

129)انظر أبو السعود ج 4 ص 190، حاشية الشهاب ج 5 ص 78 المتن والهامش، الألوسي ج 12 ص 15)

430 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

وظنه أن الفوز بسعادات الدنيا هو غاية السعادة ناسيًا أن السعادة الأخروية هي السعادة

الحقة. وتأكيد الجملتين (لئن أذقنا ... ولئن أذقناه ... ) باللام الموطئة للقسم، و تأكيد

الجوابين بحرف التوكيد (إ ّ ن) في الأولى ونون التوكيد في الثانية"لقصد تحقي ق مضمونها"

(وأنه حقيقة ثابتة لا مبالغة فيها ولا تغليب"(130"

وتتجلى غلبة الرحمة على العذاب في صياغة الآيات بعدة أمور أشار إلى شيء

منها البيضاوي بقوله:"وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا"

من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة وأ نه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء؛

لأن الذوق إدراك الطعم، والمس مبدأ الوصول" (131) ، فالذوق و المس أول درجات"

الإدراك، مع اختلاف طبيعته كما سيأتي، و قريب منه قول الألوسي:"وفي التعبير عن"

ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق المؤذن بلذتهما، وكونهما مما يُرغب فيه، وعن ملابسة

الضراء بالمس المشعر بكونها في أدنى ما يطلق عليه اسم الملاقاة من مراتبها، وإسناد الأول

إلى الله عز وجل دون الثاني ما لا يخفى من الجزالة والدلالة على أن مراده تعالى إنما هو

إيصال الخير المرغوب فيه، على أحسن ما يكون، وأنه إنما يريد بعباده اليسر دون

العسر، وإنما ينالهم ذلك بسوء اختيارهم ني ً لا يسيرًا كأنما يلاصق البشرة من غير تأثير.

وأما نزع الرحمة فإنما صدر عنه بقضية الحكمة الداعية إلى ذلك وهي كفرانهم بها كما

سبق" (132) . فقد تنبه من خلال دلالة الذوق على إدراك المطعومات المحببة إلى الحكمة"

من إسناد الرحمة و النعماء له، وهي إرادة الخير لعباده و التيسير عليهم. ويتأيد هذا

بدلالة مس الضر على مجرد الملاصقة دون كبير تأثير، مع كونه بمقتضى حكمته

.130) الطاهر ج 12 ص 13)

.131) البضاوي بهامش حاشية الشهاب ج 5 ص 78)

.132) أبو السعود ج 4 ص 190، وانظر في الإشارة إلى بعض ذلك الألوسي ج 12 ص 15)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 431

و استحقاقهم لهذا. و تتأكد غلبة رحمته تعالى بعباده بإسناد ذوق الرحمة إلى الله عز وجل

دون مس الضر.

وفي مقابل ذلك تبين الآيات أيضًا بصياغتها شدة جحود الكافر لربه، فهو مع

تمتعه بالنعمة زمنًا بما دلت عليه (ثم) إلا أنه ييأس بمجرد نزعها منه، وذلك لقلة ثقته

بالله (133) ، وهو في حال ذوقه النعمة بعد الضر يبطر، ويتمرد على ربه المنعم عليه.

وهذا باستثناء الذين آمن وا فإنهم يصبرون على البلاء ويشكرون النعماء. ولذلك، وحثًا

على مثل صنيعهم (134) كان جزاؤهم مغفرة عظيمة لذنوبهم، وأجرًا كبيرًا لأعمالهم.

وقد جاءت إذاقة الرحمة والنعماء بأداة الشرط (إن) - على غير عادة القرآن -

التي تستعمل في الأمر النادر الوقوع. ولم أجد أحدًا م ن المفسرين علق على هذا باستثناء

البقاعي الذي رأى في دلالتها مجيء الرحمة"من جهة لا يرجوها" (135) . وقد يكون

السبب في ذلك هو أن ندرة ذوق الرحمة ملائمة لحال الكفار المذكورين في هذا السياق،

فهم الذين يعرضون عن الإيمان وينكرون البعث ويستهزئون بوعيد الله لهم مس تعجلين

بالعذاب (136) . ولعل مما يؤيد هذا الرأي قول الرازي:"اعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب"

أولئك الكفار وإن تأخر، إلا أنه لابد وأن يحيق بهم، ذكر بعده ما يدل على كفرهم،

. (137) ". ولئن أذقنا الإنسان.: وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب فقال"

133)انظر البيضاوي بهامش حاشية الشهاب ج 5 ص 77، أبو السعود ج 4 ص 190، الألوسي ج 12)

.ص 15

.134) انظر ابن عطية ج 19 ص 113)

.135) ج 9 ص 242)

.8 - 136) انظر الآيات 3)

.137) الرازي ج 17 ص 190، وانظر أبو حيان ج 5 ص 206)

432 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

وإذا أذقنا الناس رحمة من.: ومع تشابه آية هود هنا م ع قوله تعالى في آية يونس

في الدلالة العامة، إلا أن ثمة فروقًا نبّه. بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ... الآية

بعض المفسرين إلى شيء منها. أول هذه الفروق ورود الإذاقة في آية يونس ب (إذا)

الدالة على تحقق الوقوع، و ورودها في آية هود ب (إن) الدالة على النادر والمشكوك

من.: فيه، وثاني هذه الفروق ما رصده البقاعي من سبق الضراء ب (مِن) في قوله

من بعد. كان وجود النعمة لا يستغرق الزمان الذي يتعقب النقمة أدخل الجار فقال

فإذا أتتهم رحمة من بعد نقمة لم يعدوها آية دالة على من أرسلها لهم، لما .... ضراء

كانوا فيه من عادة النقمة" (138) ، فالآية تدل على أنهم ظلوا في نقمة من غير نعمة زمنا،"

ثم جاءت النعمة، و يقول في آية هود:"فقال دالا على اتصال زمن الضر بالقو ل بترع"

مع. ليقولن .... أي فقر شديد مضر ببدنه. بعد ضراء. الخافض من الظرف

أي كل ما. ذهب السيئات عني. قرب عهده بالضراء خفة و طيشا

139). و لعل هذين الفرقين يبينان اختلافا بين عمل الفريقين)". عني. يسوؤني"

المذكورين، فالفريق المذكور في آية يونس سارع إلى المكر في آيات الله عند وجدان

النعمة، مع كونه كان في زمن الضر زمنا، في حين أن فريق آية هود الذي حصلت له

الرحمة عقب الضر مباشرة تبجح و تفاخر، و فرح فرح بطر بالنعمة؛ و لذلك اختلف

تعقيبا الآيتين فجاء في الأولى بذكر مثال لهذا المكر و أوعد أصحابه بالعقاب في قوله تعالى

إلا الذين صبروا. ذكر جزاء المؤمنين الذين لم يقعوا فيما وقع فيه أولئك في قوله تعالى

138)البقاعي ج 9 ص 96)

139)المصدر السابق ص 243)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 433

بأنهم سينالون عقوبة و ليس ثوابا مثل المؤمنين.

ويذكر تعالى موقفا آخر للناس عند مس الضر، وهو الدعاء إلى الله والإنابة إليه

وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق.: فيقول

. {34 - الروم 33} . منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلم ون

و أول ما يستوقف النظر في هذه الآية الدعاء، فهل الدعاء هنا ينافي اليأس في آية هود

الروم 36؟ و الجواب: أنه لا. وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون.

ينافيه، و قد سبق أن ذكر أن الدعاء في أمثال هذه المواقف ليس ناشئا من اعتراف

بالفضل لله تعالى و لا تذللا بين يديه، و إنما لتألمهم لفقد النعمة التي كانوا مستغرقين فيها

.(سارعوا إلى الدعاء برجوعها إليهم (140

منيبين. و لعل الموقف يختلف هنا، وهو إطالة الإخبار ب الدعاء بإضافة الحال

فهو لم يقل أنابوا أو رجعوا، و إنما ذكر الإنابة التي تشير إلى انكسار المرء عند. إليه

حلول النقمة، مما يدعوه إلى الإقبال على الله، و الرجوع إليه بالتوبة (141) ، و قيل:

"راجعين إلى ما أمر به غير خارجين عن شيء من أمره" (142) ، و هذا لا يكون غالبا إلا

مع طول زمن الضر، فكأن الآية تتحدث عن الأصل في الفطرة وهو الرجوع إلى الله في

140)انظر ص 12 من هذا البحث في آية فصلت)

141)انظر ابن منظور ج 1 ص 775)

142)نفس المصدر، و انظر أبو حيان ج 7 ص 168، أبو السعود ج 7 ص 61، حاشية الشهاب ج 7)

ص 122، الألوسي ج 21 ص 42، الطاهر ج 21 ص 96

434 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

الشدائد (143) . و يتجلى البطر و التمرد في مفاجأتهم الإشراك بالله - بدلالة إذا

الفجائية (144) - مع حصول أقل قدر من النعمة بما عبر عنه فعل الذوق (145) ، و تنكير

لفظ (رحمة) (146) بعد أن مكثوا في الضر زمنا بما عبرت عنه (ثم) (147) ، في حين أنهم

توجهوا إلى الله بالدعاء مع إصابتهم بأدنى درجات الضر وأقله بما عبر عنه فعل (المس)

وتنكير (ضر) (148) . هذا على اعتبار كون (ثم) للتراخي الزمني. أما في حال كونها لمعنى

استبعاد الخلاص كما ذه ب البقاعي (149) ، فإن جحودهم يبدو أكثر وضوحا ما بين

الإنابة إلى الله مستبعدين خلاصهم من هذا الضر، ثم شدة إسراعهم في كفران إحسانه.

وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن (ثم) تفيد التراخي الرتبي و لم يبينوا وجه

الدلالة (150) . و ذهب الطاهر في توضيح ذلك إلى أن"إشراكهم بالله بعد الدعاء"

143)نقل البقاعي ج 15 ص 92 عن الرازي"في اللوامع في أواخر العنكبوت: هذا دليل على أن معرفة)"

الرب في فطرة كل إنسان و أنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء"،"

وانظر ج 11 ص 180 في تفسير آية النحل 53

144)انظر ابن عطية ج 12 ص 260، أبو حيان ج 7 ص 196، البقاعي ج 15 ص 92، أبو السعود)

ج 7 ص 61، حاشية الشهاب ج 7 ص 122 المتن و الهامش، الألوسي ج 21 ص 42، الطاهر

.ج 21 ص 98

145)انظر الرازي ج 25 ص 121)

146)انظر حاشية الشهاب ج 7 ص 122)

147)انظر حاشية الشهاب ج 7 ص 122، الألوسي ج 21 ص 42)

148)انظر حاشية الشهاب ج 7 ص 122)

149)انظر البقاعي ج 15 ص 92)

150)انظر حاشية الشهاب ج 7 ص 122، الألوسي ج 21 ص 42)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 435

والإنابة وحصول رحمته أعجب من إشراكهم السابق، ففي التراخي الرتبي معنى التعجيب

من تجدد إشراكهم" (151) . و التأمل المتأني لدلالة التراخي قد يرى فيه - كما ذهب"

الطاهر نفسه في آية النحل (152) - إشارة إلى أن مفاجأتهم الإشراك بعد الإنعام أعجب من

من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل. توجههم إلى ربهم بالدعاء ساعة الشدة لأنهم

{32} . حزب بما لديهم فرحون

و لما كان هذا الأمر مما يبغضه الله تعالى، لأن فيه تجاوزا و تعديا على حقه

وفي. ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون. سبحانه جاء جزاؤهم تهديدا بقوله

الآية من علامات السخط و الغضب ما لا يخفى، فقد أمروا بالكفر على جهة التهديد

والوعيد، لأنه أمر للمرء بما يوجب التنكيل به (153) ، و فيه دلالة على غاية السخط ثم

، (و في المواجهة بالتهديد دلالة على كمال الغضب (154. فتمتعوا. التفت إليهم بقوله

و المراد يعلمون. فسوف تعلمون. مع عدم الاعتداد بهم (155) . و ختمت الآية بقوله

عاقبة إشراكهم بالله و تمردهم على الحق (156) وهي العقوبة، و فيه من التخويف ما فيه.

عن أن الأمر على جهة التهديد. فسوف. و. فتمتعوا. وقد عبرت الفاءات في قوله

151)الطاهر ج 21 ص 98)

152)انظر الطاهرج 14 ص 178)

153)انظر د. بسيوني فيود: علم المعاني ج 2 ص 89)

154)انظر البقاعي ج 15 ص 93)

155)انظر أبو السعود ج 7 ص 190 الألوسي ج 23 ص 85 آية الصافات 38)

156)انظر الزمخشري ج 3 ص 222، البقاعي ج 15 ص 93، أبو السعود ج 7 ص 61، حاشية)

الشهاب ج 7 ص 122 المتن و الهامش،الألوسي ج 21 ص 42، الطاهر ج 21 ص 98

436 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

ناتج عن كفرهم بما آتاهم الله تعالى من الآيات الدالة على وحدانيته، وأن حسابهم

المترتب على علمهم بما في صحائف أعمالهم من الكفر ناتج عن تمتعهم به في الدنيا.ولفظ

(التمتع) يفيد الانتفاع بالشيء مدة من الزمان (157) ، وفيه إشارة إلى أن تمتعهم بالدنيا

.(زائل مع ما في لفظ متاع من دلالته على حقارة شأنه كما ذكر البقاعي (158

و في سورة الزمر موطن يشابه آية الروم السابقة في الإنابة إلى الله حال مس

وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه.: الضر والإشراك حال وجدان النعمة، يقول تعالى

منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن

الكافر غالبا (159) إذا مسه ضر قليل بما دل عليه تنكير لفظ (ضر) (160) سارع إلى دعاء

ربه المحسن إليه راجعا إليه وحده، فإذا ما أعقب هذا الضر - بعد استبعاد كشفه (161) أو

بعد مكوثه فيه زمنا بدلالة ثم - بنعمة منه ابتداء بالفضل، لأن معنى خوَّله"مّلكه"

وح ّ كمه فيها ابتداء لا مجازاة" (162) ؛ كان في مدة النعمة معرضا عن شكر ربه، تاركا"

دعاءه الذي صرفه إليه مدة زمن الضر (163) ، مضيفا إلى ذلك الإشراك بالله تعالى،

157)انظر ابن منظور: لسان العرب ج 8 ص 332 و ما بعدها، مادة (متع ) )

158)انظر البقاعي ج 8 ص 192، ج 21 ص 185)

159)انظر الزمخشري ج 3 ص 389، ابن عطية ج 14 ص 65، الرازي ج 26 ص 248، أبو حيان)

، ج 7 ص 401، حاشية الشهاب ج 7 ص 330 المتن و الهامش، الألوس ي ج 23 ص 244

.الطاهر ج 23 ص 342

160)انظر البقاعي ج 16 ص 462)

161)انظر البقاعي ج 16 ص 462)

162)ابن عطية ج 14 ص 65، و انظر البقاعي ج 16 ص 463)

163)انظر البقاعي ج 16 ص 463)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 437

وجعل أنداد له مما نتج عنه حصول الضلال - عند من قرأها بفتح ال ياء - أو الإضلال

-(- عند من قرأها بضمها (164

و لما كان هذا التمادي في الجحود الواصل إلى حد التمرد باتخاذ الشركاء لله

تمتع بكفرك قليلا إنك من. موجبا لكمال الغضب الإلهي فقد توعده سبحانه بقوله

فالأمر بالتمتع بالكفر أمر تهديد ووعيد (165) ؛ لأن الله تعالى لا يأمر. أصحاب النار

بالفحشاء (166) . و في جعل التمتع بالكفر إيماء إلى أنه لا تمتع لهم بغيره، و في إضافة

تأكيد على أنه متاع الدنيا الذي لا بقاء له (167) . و في هذا إقناط. قليلا. كلمة

أي. إنك من أصحاب النار. للكافر (168) جاء الاستئناف البياني تعليلا له 169 في قوله

الملازمين لها (170) . و لعل في ذكر الحال المقابل لهذا الجحود و الشرك في قوله تعالى

164)انظر الزمخشري ج 3 ص 389، ابن عطية ج 14 ص 66، الرازي ج 26 ص 249، أ بو حيان)

ج 7 ص 401، البقاعي ج 16 ص 464، أبو السعود ج 7 ص 244، البيضاوي بهامش

.حاشية الشهاب ج 7 ص 330، الألوسي ج 23 ص 245، الطاهر ج 23 ص 344

165)انظر ابن عطية ج 14 ص 66، الرازي ج 26 ص 249، البقاعي ج 16 ص 465، أبو السعود)

، ج 7 ص 245، حاشية الشهاب ج 7 ص 330 المتن و الهامش، الألوسي ج 23 ص 245

الطاهر ج 23 ص 344

166)انظر حاشية الشهاب ج 7 ص 330)

167)حاشية الشهاب ج 7 ص 330)

168)انظر أبو السعود ج 7 ص 445، الألوسي ج 23 ص 245)

169)انظر البقاعي ج 16 ص 465، أبو السعود ج 7 ص 245، حاشية الشهاب ج 7 ص 330 المتن)

و الهامش، الألوسي ج 23 ص 245، و أشار الطاهر إشارة خفية إلى معنى التعليل ج 23

ص 344

170)انظر ابن عطية ج 14 ص 66، أبو حيان ج 7 ص 402، البقاعي ج 16 ص 465، أبو السعود)

ج 7 ص 245، الألوسي ج 23 ص 245، الطاهر ج 23 ص 345

438 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

عقب. ... أمن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجو رحمة ربه.

هذه الآية؛ مزيدا من تبشيع صورة هذا المعرض المتمادي في التمرد بإشراكه بربه المحسن

إليه بالنعم، بعد طول مس الضر و استبعاد رفعه، و تحسيرا له على ما ضيعه من حقوق

ربه، فالنعمة في أمثال هذه السياقات التي تعقب فيها النقمة لا تقف بالإنسان عند

الانشغال بها، والإعراض عن ذكره تعالى، و إنما تمتد إلى التعدي و التمرد بالإشراك

بالله تعالى، و كأن المرء يؤخذ بتبدل النقم ة إلى نعمة فيظن ظنا جاهلا أنه استحقها بمكانته

وعمله، فيتجاوز بالبطر و الأشر، و النيل من حقوقه تعالى، ليس فقط بالامتناع عن

حق الشكر، بل بالإخلال بحق التوحيد و العبادة لله وحده. ومن هنا جاء ختام

الموضعين - آية الروم و آية الزمر - تهديدا و وعيدا. و قريب من هذا في موطن آخر

فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة قال إنما أوتيته. من الزمر يقول تعالى

الذين يشمئزون من ذكر الله و يستبشرون بآلهتهم، ثم يلجأون في الشدائد إلى من

اشمأزوا م ن ذكره وهو الله تعالى دون آلهتهم، و هذا تناقض بشع و جرأة على الله تعالى.

بالفاء إنكارا لصنيعهم و تعجبا من حالهم،. فإذا مس الإنسان. ومن هنا عطف قوله

وفي ذلك يقول الزمخشري:"فإن قلت: من أي وجه وقعت مسببة - يقصد فإذا -"

والاشمئزاز من (171) ذكر الله ليس بم قتض لالتجائهم إليه بل هو مقتض لصدوفهم عنه،

قلت: في هذا التسبيب لطف، و بيانه أنك تقول: زيد مؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ

إليه، فهذا تسبيب ظاهر لا لبس فيه، ثم تقول: زيد كافر بالله، فإذا مسه ضر التجأ

إليه، فتجيء بالفاء مجيئك به ثمة، كأن الكافر حين الت جأ إلى الله التجاء المؤمن إليه، مقيم

171)في الكتاب (عن) و ذكر الاشمئزاز متعلقا به حرف الجر (من) قبل ذلك بقليل وهو الأقرب)

للصواب

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 439

كفره مقام الإيمان، و مجريه مجراه في جعله سببا في الالتجاء، فأنت تحكي ما عكس فيه

الكافر. ألا ترى أنك تقصد بهذا الكلام الإنكار و التعجب من فعله" (172) ، و مع أن"

أبا حيان لمس تكلفا في هذا الربط (173) ، أثنى ابن المنير - وه و المعروف بتحامله على

الزمخشري - على كلام الزمخشري قائلا:"كلام جليل فافهمه" (174) . ومع أن عددا

من المفسرين قد ذهب إلى أن المراد الإخبار"عن الجنس بما يفعله غالب أفراده" (175) مما

بما ف يه من. إنما أوتيته على علم. يجعل دلالته غير منحصرة في الكافرين، إلا أن قوله

تعاظم مفرط، و اغترار بالله، و عجز، و تمن عليه تعالى (176) أليق بحال الكافر،

و يؤيده قول الطاهر:"المراد بالإنسان كل مشرك فالتعريف تعريف الجنس، والمراد"

جماعة من الناس، وهم أهل الشرك فهو للاستغراق العرفي" (177) ، و يؤيده أيضا ما"

قد قالها الذين من قبلهم. حملته الآية التالية من تهديد (178) لمشركي قريش في قوله تعالى

فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا و الذين ظلموا من هؤلاء

الحديث قبل هذه الآية كان يتحدث عن ا لكفار الذين يشمئزون من ذكر الله و الذين لا

403، و انظر الرازي ج 26 ص 288، البقاعي ج 16 - 172) الزمخشري ج 3 ص 402)

ص 527، أبو السعود ج 7 ص 258، حاشية الشهاب ج 7 ص 343 المتن و الهامش،

35 -و الألوسي ج 24 ص 12، الطاهر ج 24 ص 34

173)انظر أبو حيان ج 7 ص 416)

174)ابن المنير: كتاب الإنصاف بهامش الكشاف ج 3 ص 402)

175)أبو السعود ج 7 ص 259، و انظر حاشية الشهاب ج 7 ص 343 المتن و الهامش، الألوسي)

ج 24 ص 12

176)انظر ابن عطية ج 14 ص 93، أبو حيان ج 7 ص 415)

177)الطاهر ج 24 ص 35)

178)انظر ابن عطية ج 14 ص 93)

440 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

يستطيعون الافتداء من عذاب يوم القيامة، بل يحيق بهم جزاء استهزائهم و مكرهم بالله.

.(يشير إلى من اهتدى منهم و آمن بربه (179. أكثرهم. ولعل الاستثناء منهم بقوله

و تتجلى سعة رحمة الله تعالى لأمثال هؤلاء الجاحدين من صي اغة الآيات، فهذا

الإنسان إذا ما مسه أدنى قدر من الضر دعا ربه المحسن إليه، فإذا تفضل عليه بنعمة بعد

طول مكوثه في الضر بما دلت عليه (ثم) (180) بطر وتكبر ونسب الفضل في حصول

(النعمة لنفسه، فإذا تأملنا ما ذكر عن(إذا) من معنى الاستمرار و معنى العموم (181

يتبين د وام رحمة الله تعالى بهذا العبد المصر على الجحود، فهو يلجأ إلى الدعاء كلما مسه

ضر، و يتعاظم على ربه كلما خوله نعمة، و يظل هذا شأنه أبدا بما جبل عليه من حب

السلامة ونكران واهبها. وتظل عادة الله تعالى معه الإحسان بما عبرت عنه (إذا) من

تحقق أقل قدر من الضر وهو المس، مقابل تحقق تخويل النعمة بعده فضلا و كرما.

و يلفتنا هنا أن مجيء ذكر الدعاء و التخويل جاء مسندا إلى ضمير العظمة في

وفي أول السورة مسندا إلى لفظ الرب متصلا بضمير الغائب،. دعانا، خولناه. قوله

أما الأولى التي ب ضمير الغائب فلأن السياق كله له،. . خوله. و. دعا ربه. في قوله

و أما الثانية التي بضمير العظمة فمع أن السياق أيضا للغائب، إلا أن في هذا الالتفات

بذكر ضمير العظمة إظهارا و تنويها بشأن من صرفوا دعاءهم إليه، و خولهم نعمة منه،

و إبرازا لمدى ضعفهم و عجزهم عن جلب نفع لأنفسهم أو دفع ضر عنها، و لمزيد من

التعجيب من أمرهم و تقبيح فعلهم، بجعل الدعاء متوجها لمن اشمأزوا من ذكره،

.179) انظر البقاعي ج 16 ص 530)

.180) انظر البقاعي ج 16 ص 528)

3 من هذا البحث.، 181) انظر ص 2)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 441

و تخويل النعمة مسندا إليه، ثم إتيانهم بالتكبر و النكران جوابا على ذلك.

لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه. و في سورة فصلت جاء قوله تعالى

الشر فيئوس قنوط، و لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن

الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا

تعالى بالشر على ندرته بما دلت عليه (إن) و كيف يغلب قلبه اليأس و يظهر القنوط

على أحواله الظاهرة (182) ، ثم تذكر له حالا أخرى و هي حال ذوق النعمة بعد الضر

الذي أصابه منه أدنى الدرجات بما دل عليه فعل المس، فهو إذا ما ذاق أقل قدر من

النعمة من أي جهة كانت نسي المنعم و بطر النعمة و تكبر على معطيها فذهب إلى أن ما

و لئن. حصل له حق استوجبه، و كفر بالبعث ثم تطاو ل على ربه المحسن إليه بقوله

- (فهو شاك في البعث - بما دلت(إن) (183. رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى

مرجح لبطلانه، و مع ذلك يرى أنه لو كان ثمت بعث فسيكون له عند ربه جزاءا بالغا

الغاية في الإحسان بما دلت عليه صيغة المبالغة (الحسنى) (184) .وتجابههم الآيات - بسبب

فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب. سوء صنيعهم - بذكر جزائهم

و كأن الجزاء بما احتواه من مؤكدات نحو نون التوكيد الثقيلة في قوله:. غليظ

، 182) انظر الرازي ج 27 ص 137، الزمخشري ج 3 ص 457، أبو حيان ج 7 ص 482)

أبو السعود ج 8 ص 18، جاشية الشهاب ج 7 ص 405 المتن و الهامش، الألوسي ج 25

.ص 4، الطاهر ج 25 ص 10

، 183) انظر الزمخشري ج 3 ص 457، الرازي ج 27 ص 138، البقاعي ج 17 ص 219)

أبو السعود ج 8 ص 18، حاشية الشهاب ج 7 ص 405 المتن و الهامش، الألوسي ج 25

.ص 4، الطاهر ج 25 ص 12

184)انظر الرازي ج 27 ص 1138، البقاعي ج 17 ص 219، الطاهر ج 25 ص 12)

442 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

والتصريح بذنبهم بالعدول عن الضمير إلى الموصول وصلته. فلننبئن، فلنذيقنهم.

إن لي عنده. مقابلا لما احتواه قول قائلهم من توكيد؛. الذين كفروا.

185)، وكأن الحق - سبحانه - الذي تكبروا و طغوا عليه يرد أيديهم في). للحسنى

وفي تعقيب الذنب في قول. .... فلننبئن ... ولنذيقنهم. أفواههم بهاتين الجملتين

إشارة إلى كفححهم مباشرة. فلننبئن. بالجزاء مقرونا بالفاء في قوله .... هذا لي. قائلهم

بالرد وهو التنبئة المقتضية لوقوع العذاب (186) ، لما في ذلك من تطاول و تكبر على من

تخضع له الرقاب وتخر له الجباه. ومجيء ذوق الرحمة ب (إن) على خلاف عادة القرآن

(( يشير - استدلالا بمثي لاتها في الخروج على العادة القرآنية في استعمال (إذا (187

و (إن(188 ) ) - إلى أن إذاقة الرحمة ينبغي أن تكون نادرة مع هذا الصنف، أو لعلها

من بعد.: تشير إلى أنها لشدة الضراء ومكوثه فيها زمنا بما دل عليه الجار في قوله

كما في سورة يونس بدت له و كأنها أمر نادر الوقوع. . ضراء

و مجمل آيات القسم الثاني توضح طبيعة في الإنسان جبل عليها وهي الكبر

والغرور بأدنى نعمة تطرأ عليه بعد الضر. و هذا راجع إلى"التوجه إلى طلب الملائم"

والنافع، و نسيان ما عسى أن يحل به من المؤلم و الضار، فبذلك يأنس بالخير إذا حصل

له فيزداد م ن السعي لتحصيله و يحسبه كالملازم الذاتي فلا يتدبر في معطيه حتى يشكره،

و يسأله المزيد تخضعا، و ينسى ما عسى أن يطرأ عليه من الضر، فلا يستعد لدفعه عن

185)انظر الرازي ج 27 ص 138)

186)انظر البقاعي ج 17 ص 220)

13 من هذا البحث، 187) انظر ص 8)

21 من هذا البحث. - 20، 188) انظر ص 9)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 443

نفسه بسؤال الفاعل المختار أن يدفعه عنه و يعيذه منه" (189) ، بل يبطر و يتكبر، فما"

يكاد ينفض عنه آثار الضر حتى يبادر إلى الكفر و الإشراك، معرضا عن شكر ربه ناسبا

الفضل في استحقاق الرحمة لذاته.

والآيات كسابقتها أسندت ذوق الرحمة لله تعالى ولم تسند وقوع الشر إليه

و لئن أذقناه نعماء بعد ضراء. تعليما للأدب معه (190) ، ونبه البيضاوي في قوله تعالى

وشرح ذلك الشهاب قائلا:. أذقناه، مسته. هود 10 إلى اخ تلاف فعلي .... مسته

"لم يقل مسسناه بالإسناد إلى ضمير المتكلم كما في أذقنا للدلالة على أن مس الضر ليس"

مقصودا بالذات، إنما وقع بالعرض، بخلاف إذاقة النعماء كما أشار إليه المصنف في غير

هذا المحل" (191) ، وهو قريب مما ذكره ابن قيم الجوزية في النص المذكور في نهاية القسم"

الأول.

و الملحوظ أيضا في آيات هذا القسم أن خواتيمها، و ما يعقبها من الآيات فيه

قدر من التهديد والوعيد أكبر مما في القسم الأول، مما يشير إلى أن الذنب هنا أعظم

وهو الاجتراء على الله بالكفر حين تبديله للضر بالنعمة، و هذا انحراف عما يجب أن

يكون مع المنعم سبحانه و تعالى، و فيه دليل على غرور الإنسان بنفسه، و عدم تدبره

لمنشأ المنعم، و تقديره لمانحها سبحانه حق قدره، و عدم يقينه في قدرة الله سبحانه وتعالى

على سلب النعمة كما كانت له القدرة على منحها.

و قد ذكرت الآيات تعق يب الضر بالرحمة في المواضع كلها ما عدا موضع واحد

.10 - 189) الطاهر ج 25 ص 9)

190)انظر على سبيل المثال أبو السعود ج 5 ص 133، الألوسي ج 11 ص 93 آية يونس، البقاعي)

.ج 9 ص 243 آية هود 10

.191) حاشية الشهاب ج 5 ص 77)

444 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم. في سورة هود الذي ذكر فيه نزع الرحمة في قوله

ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب. المواضع كلها سوى آيتي هود في قوله

لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته. {10 وفصلت} . السيئات عني إنه لفرح فخور

.... ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة و لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى

تشابه موقف الإنسان من ابتلاء الله له بالرحمة بعد الضر، فإن الملحوظ أن الجراءة على

الله بدت أكثر في سورة فصلت. و فيها أنه ذاق رحمة قليلة بعد أن أمضى في الضر زمنا

و هذا يشير إلى ما ذكر سابقا من أن حصول النعمة. من بعد ضراء. بما دل عليه قوله

بعد الضر يورث بطرا و كبرا - بخلاف حصول كل منهما منفردا كما في آيات القسم

الأول- فكأن الإنسان كلما طال زمن تنعمه بالصحة والمال والجاه ازداد إحساسا

باستحقاقه له، و تجاوز إلى التعدي على المنعم بها. وهذا يقوي أن المقصود بالإنسان

الكافر، لأن المؤمن يرى الخير من خلال المصائب لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه

وسلم من قوله"إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا و من سخط فله"

السخط"."

و هناك حال ثالثة للإنسان يتجلى فيها جحوده لربه ونكرانه لإحسان المنعم

عليه، و أغلب ما وقعت عليه في هذا النوع يصف الكافر الذي يلجأ إلى الله تعالى حين

يقع في شدة و تنقطع به الأسباب، فإذا ما أنقذه الواحد الأحد عاد إلى إشراكه به غيره.

قل أرأيتكم إن أتاكم. و يقرر الله تعالى الكفار بهذه الحقيقة في قوله في سورة الأنعام

عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 445

الأمور لا يدعون غيره - بما دل عليه تقديم المفعول من الاختصاص (192) - و يذهلون عن

آلهتهم المزعومة، ومع ذلك فرحمته تسبق إليهم بما دل عليه حرف (الفاء) في

من التعقي ب والسرعة (193) ، مع ما في ذكر الكشف من الدلالة على. فيكشف.

غشيان الشدة، لأن الكشف"يدل على سرو الشيء عن الشيء كالثوب يسرى عن"

. (البدن"(194) ، ويقول ابن منظور عن معناه هو"رفعك الشيء عما يواريه ويغطيه"(195"

وفي ذكر النسيان والغفلة ما يوحي بأن ولاء هؤلاء الكفار لأصنامهم باق و لكنهم غفلوا

عنه قليلا، ولم أجد من المفسرين الذين اطلعت على كتبهم من أشار إلى دلالة (إن) في

و لعلها تشير إلى استبعادهم لوقوع هذه الأمور الشداد لشدة. إن أتاكم. قوله

.(غفلتهم، و فساد فطرتهم. و قد تكون لمجرد الربط كما سبق أن ذكر (196

و لما كان إعراضه م عن الله تعالى في الرخاء بعد أن لجأوا إليه في الشدة أمرا فيه

جرأة على الله، فقد خوفهم و هددهم بقطع دابرهم مثلما وقع لمن قبلهم من الأمم

السابقة، حين عرضوا أنفسهم لعقوبة الله (197) بقسوة قلوبهم و تركهم اللجوء إلى الله

ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم. في الشدائد فقال

192)انظر الزمخشري ج 2 ص 18، ابن عطية ج 6 ص 50، الرازي ج 12 ص 233، البقاعي ج 7)

ص 122، أبو السعود ج 3 ص 132، حاشية الشهاب ج 4 ص 59 المتن و الهامش، الألوسي

.ج 7 ص 149، الطاهر ج 7 ص 224

193)انظر أبو السعود ج 3 ص 132)

194)ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج 5 ص 181)

195)ابن منظور: لسان العرب ج 9 ص 300)

196)انظر ص 8 من هذا البحث)

.197) انظر ابن عطية ج 6 ص 50، البقاعي ج 7 ص 113، الطاهر ج 7 ص 226)

446 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

يضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا

يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا

.أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين

البأساء و الضراء، مع أن الشدائد تلين القلوب و تعيد الإنسان لربه، فكان جزاؤهم

عن هذا الإعراض و الترك أن الله تعالى يسر لهم سبل المسرات و موجبات السعادات بما

عبرت عنه ا ستعارة لفظ (أبواب) استدراجا لهم، حتى ظنوا لسوء طباعهم أن هذا

الفتح باستحقاقهم فكان عاقبته الأخذ بغتة. و في لفظ الأخذ من معاني الشدة و الإكراه

ما لا يخفى.

و هناك موطن آخر في سورة الأنعام يقررهم فيه تعالى بسوء صنيعهم و جحدهم

قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا. لنعمة المحسن إليهم، يقول تع الى

وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين، قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم

يجدون في الدعاء سرا و علانية و يأخذون على أنفسهم عهو دا لله غليظة بالشكر عبر

عنها التوكيد في (لنكونن) و اسم الفاعل (الشاكرين) الدال على رسوخهم في

الصفة (198) ، وحين ينجيهم الله تعالى و يخلصهم مما هم فيه من الشدة بعد شكهم في

لما رأوا من عظم -. لئن أنجانا. تحقق هذه النجاة - بما دلت عليه (إن) في قولهم

الأهوال؛ يعودون إلى شركهم بالله (199) . وفي عطف الإشراك على التنجية ب (ثم) ما

198)انظر البقاعي ج 7 ص 142، أبو السعود ج 3 ص 145، الألوسي ج 7 ص 179)

199)انظر أبو حيان ج 4 ص 154، حاشية الشهاب ج 4 ص 77 المتن و الهامش، الألوسي ج 7)

ص 179

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 447

يفيد معنى التراخي الرتبي: أي أن إشراككم بالله تعالى بعد رؤية مظاهر قدرته أقبح من

إشراككم قبل ذلك، و في هذا يقول ابن عطية: وعطف ب (ثم) للمهلة التي تبين

قبح فعلهم أي: بعد معرفت كم بهذا كله و تحققه أنتم تشركون" (200) ، و يزيد البيان"

القرآني في التقبيح بإيراد جملة الخبر اسمية، يقول في ذلك أبو حيان:"و لا يخفى ما في"

201)، و لعله يقصد بناء)". ثم أنتم. الجملة الاسمية من التقبيح عليهم إذ ووجهوا بقوله"

الخبر على ضمير المخاطب (أنتم) وما فيه من التوبيخ، مع التقاء دلالة الجملة الاسمية

من الثبات و الدوام، مع دلالة الفعل المضارع في خبرها وهو التجدد و الاستمرار، مما

.(يشير إلى أنهم استمروا ثابتين في المستقبل على ما كانوا عليه في الماضي من الكفر (202

و قد نلمح مع التراخي الرتبي شيء من الاستب عاد: أي استبعاد حصول الشرك بعد تحقق

معرفتهم بالله، و يتأكد هذا الاستبعاد بحذف متعلق الشرك، يقول الشهاب:"و لم"

يذكر متعلقه - أي الشرك - لتتريله مترلة اللازم تنبيها على استبعاد الشرك في

نفسه" (203) . و في تقرير الجواب بفعل القول (قل) إعلام بأن هذا الجوا ب مقرر"

عندهم فلا حاجة إلى انتظار نطقهم به (204) ، و قيل إهانة لهم (205) ، و قيل"ليكون هو"

200)ابن عطية ج 6 ص 69، و انظر أبو حيان ج 4 ص 155، البقاعي ج 7 ص 143، الأ لوسي)

ج 7 ص 180

201)أبو حيان ج 4 ص 155)

202)انظر أبو حيان ج 4 ص 155، الطاهر ج 7 ص 283)

203)حاشية الشهاب ج 4 ص 77، و انظر الألوسي ج 7 ص 180)

، 204) انظر البقاعي ج 7 ص 142، أبو السعود ج 3 ص 135، حاشية الشهاب ج 4 ص 77)

الألوسي ج 7 ص 179، الطاهر ج 7 ص 282

205)انظر حاشية الشهاب ج 4 ص 77، الألوسي ج 7 ص 179)

448 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

-صلى الله عليه و سلم - أسبق إلى الخير و إلى الاعتراف بالحق" (206) . و ذهب"

البيضاوي إلى أنه"إنما وضع تشركون موضع لا تشكرون تنبيها على أن من أشرك في"

عبادة الله سبحانه و تع الى فكأنه لم يعبده رأسا" (207) ، و شرح هذا الشهاب قائلا:"لأن

إشراكهم تضمن عدم صحة عبادتهم و شكرهم، لأنه عبادة، بل نفيها لعدم الاعتداد

بها معه، إذ التوحيد ملاك الأمر و أساس العبادة فوضعه موضعه توبيخا لهم لعدم الوفاء

بالعهد" (208) ، فالشكر شطر الإيمان فإذا ف قد انتقض الإيمان، ولذلك وضع (تشركون) "

بدل (لا تشكرون) ، مع ما فيه من التوبيخ على نقض العهد بالشكر، والإتيان

بالإشراك مكانه. و في قول البقاعي عن تحول الشكر شركا"مع ما فيه من الجناس لما"

كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون" (209) ؛ إشارة إلى أن حصول أدنى تحول في ا لمقاصد"

يؤدي إلى الانحراف الموجب للغضب. و الآيات تبين شدة جحودهم حين نراهم حال

210)منقطعين إلى). هذه. وقوعهم في الشدة التي أذهلتهم عن النطق بما دل عليه قولهم

الله سبحانه، متعلقين بأسباب النجاة منه تعالى بعد أن انقطعت بهم أسبابهم، متعهدين له

بالشكر بأوثق العهود، ثم بعد نجاتهم من هذه الأهوال الشديدة يعود عهدهم بالشكر

قل. شركا بالله المنعم عليهم! و لما في هذا الأمر من عظيم الجرم جاء عقيبه قوله تعالى

206)أبو حيان ج 4 ص 154)

207)البيضاوي بهامش حاشية الشهاب ج 4 ص 77)

208)حاشية الشهاب ج 4 ص 77)

209)البقاعي ج 7 ص 143)

210)انظر على سبيل المثال الطاهر: ج 24 ص 71 في آية الزمر 71، ومواضع الحذف لضيق المقام في)

3، شروح التلخيص ج 1 ص 277، ج 2 ص 2

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 449

هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا

، {الأنعام 65} . و يذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نص رف الآيات لعلهم يفقهون

وعيدا و تخويفا لمن أشرك بالله (211) . و يلحظ أن أمثال هذا التخويف و الترهيب بإيقاع

العقوبة جاء عقب أغلب آيات هذا القسم وهو التخلص من الشدة. و يبدو أن هذه

المبالغة في التهديد بذكر قدرة الله تعالى على إيقاع العذاب بمن أشر ك بعد أن دعاه

وانقطع إليه؛ تعود إلى أن الشرك في هذه الحال أقبح و أشنع منه في غيرها.

وواضح أن المقصود في آيتي الأنعام هو الكافر (212) ، و لعل قول الرازي في آية

أن عادة"أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الأمر الهائل .... قل من ينجيكم. الأنعام"

أخلصوا و إذا انتقلوا إ لى الأمن و الرفاهية أشركوا به" (213) يقصد بها عادة أهل الشرك"

و ليس كل الخلق،لأن الإيمان في فطرة الخلق و ليس أكثرهم مشركين كما توهم

عبارته.

و لما وقع عليهم الرجز قالوا. ومن المواضع القريبة من آيتي الأنعام قوله تعالى

211)انظر ابن عطية ج 6 ص 70، الرازي ج 13 ص 22، أبو حيان ج 4 ص 155، البقاعي ج 7)

ص 143، أبو السعود ج 3 ص 146، الألوسي ج 7 ص 180، الطاهر ج 7 ص 283

212)انظر ابن جرير ج 7 ص 121، الزمخشري ج 2 ص 18، ابن عطية ج 6 ص 49، الرازي)

ج 12 ص 222، أبو حيان ج 4 ص 128، البقاعي ج 7 ص 109، أبو السعود ج 3

60 المتن و الهامش، الألوسي ج 7 ص 148، الطاهر ص 132، حاشية الشهاب ج 4 ص 59

، 41، و انظر ابن جرير ج 7 ص 140، ابن عطية ج 6 ص 68 - ج 7 ص 221 آية 40

أبو حيان ج 4 ص 154، البقاعي ج 7 ص 141، أبو السعود ج 3 ص 145، حاشية

الشهاب ج 4 ص 77 المتن و الهامش ن الألوسي ج 7 ص 179، الطاهر ج 7 ص 280 آية 63

213)الرازي ج 13 ص 22)

450 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك و لنرسلن معك

الأعراف. بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون

بإسناد لفظ الرب لضمير المخاطب (ربك) (214) ، و بما يبدو من شكهم في قدرة الله تعالى

و كرمه بكشف العذاب عنهم في استعمالهم أداة الشرط (إن) ؛ يتولاهم الله برحمته

215)، و لكنهم يقابلون هذه الرحمة). فيكشف. فيعاجلهم بكشفه بدلالة فاء التعقيب

بالمبادرة إلى النكث، ونقض تلك العهود الغليظة التي أخذوها على أنفسهم، بما دلت

يقول ابن عطية مشيرا إلى دلالة الآية على،. إذا هم ينكثون. عليه المفاجأة في قوله

كفرهم وعدم صدق إيمانهم:"وألفاظ هذه الآية تعطي الفرق بين القبط و بين بني"

إسرائيل في رسالة موسى، لأنه لو كان إيمانهم به على حد إيمان بني إسرائيل لما أرسلوا

بني إسرائيل ولا فارقوا دينهم، بل كانو ا يشاركون فيه بني إسرائيل" (216) ، مما يدل"

على عدم إيمانهم بالله أيضًا إسناد الكشف إلى موسى عليه السلام في قولهم

بإسناد. كشفنا. 217)، مع سوء أدبهم مع ربهم. و في الجواب بقوله). كشفت.

الكشف لمن استنكفوا من اللجوء إليه بيان لسعة رحمته تعالى، و أنه هو ا لفاعل الحقيقي

للكشف وليس موسى عليه السلام. و لما كان جرمهم عظيما بنقضهم العهد الذي

تسبب. لنؤمنن لك و لنرسلن معك بني إسرائيل. جدوا في توكيده بقولهم

214)انظر أبو حيان ج 4 ص 374، البقاعي ج 8 ص 42)

215)انظر البقاعي ج 8 ص 43)

216)ابن عطية ج 7 ص 145)

217)انظر أبو حيان ج 4 ص 374)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 451

فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم. عن هذا (218) إحلال العقوبة بهم بإغراقهم في اليم

التعقيب المفيد سرعة إحلال العقوبة بهم، يقول الطاهر معلقا على الآية:"هذا محل"

العبرة من القصة فهو مفرع عليها تفريع النتيجة على المقدمات" (219) ، فقد ترتب على"

فساد طباعهم و شدة كفرهم و مسارعتهم إلى نكث عهودهم مع الله أن أهلكهم.

و قالوا يا أيها الساحر. و شبيه بالآية السابقة قوله تعالى في سورة الزخرف

.ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون

فلما آسفونا انتقم نا منهم. 50، و أعقبت الآية بذكر موجز للعقوبة في قوله - 49

وقد أشار العلماء إلى مجيء جواب (لما) بعد شرطها على التعقيب من غير

مهلة (220) ،و لمحت في مجيء (إذا) الفجائية في جواب (لما) تعجبا و إنكارا، بالإضافة إلى

المبادرة و السرعة في وقوع الجواب، لما تحمله من معنى وجود الأمر على غير المتوقع.

والملحوظ أن الأداة (لما) قد جاءت مع أفعال الكشف والإنجاء في هذا القسم

الثالث من الآيات و لم تأت فيما قبله. و لعل لما تحمله (لما) من معنى الوجوب ارتباطا

بذلك، فهي تصف حالا واقعة وتحمل تأكيدا على وجود الجواب حال وجود الشرط،

وفي ذلك يقول السيوطي عنها إنها:"تقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما"

218)انظر ابن جرير ج 9 ص 29، الرازي ج 14 ص 220، البقاعي ج 8 ص 43، الطاهر ج 9)

ص 74

219)الطاهر ج 9 ص 74)

220)أنظر ص 5 من هذا البحث)

452 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

نحو: لما جاءني أكرمته" (221) ، بخلاف (إذا) التي تحمل معنى التوقع و إمكان"

الوقوع (222) ، فهي تعني توقع أو إمكان حصول الجواب حال وقوع الشرط، و لا تجزم

بتحققه، خاصة و أنها بظرفيتها تحمل معنى الاستقبال. أما (لما) فإن دخولها على الماضي

يفيد تحقق الوقوع.

وإذا مس. و مما أسندت فيه (لما) إلى الكشف قوله تعالى في سورة يونس

الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى

قوله و إذا. فيما نقله الرازي - ما ذكر سابقا من الفرق بين (إذا) و (لما) ، يقول

و هذا للماضي،. فلما كشفنا. إذا) موضوعة للمستقبل، ثم قال). مس الإنسان

فهذا النظم يدل على أن معنى الآي ة أنه هكذا كان فيما مضى، و هكذا يكون في

المستقبل، فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل، و ما فيه

من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي" (223) ، فهو يشير ضمنا إلى تحقق وقوع"

الفعل مع (لما) ، و توقع حدوثه مع (إذا) لأن ما في المستقبل لا يجزم به.

و إذا كان المفسرون مجمعين في آيات هذا القسم على أن المراد الكافرون بدلالة

ألفاظ الآيات، فإنهم في آية يونس مختلفون، فيذهب بعضهم إلى أن المراد بالإنسان هو

عاد". مر كأن لم يدعنا. الكافر بدلالة السياق، حيث يقول ابن جرير في تفسير"

للشرك ودعوى الآلهة والأوثان أربابا معه" (224) ، و يقول الرازي واصفا قاعدة هامة في"

221)السيوطي: همع الهوامع ج 1 ص 215)

22)انظر ص 2 من هذا البحث)

233)الرازي ج 17 ص 52، و انظر أبو حيان ج 5 ص 134)

234)ابن جرير ج 11 ص 66)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 453

تحديد المراد بلفظ إنسان في القرآن:"اللفظ المفرد المحلى بالألف و اللام حكمه إذا حصل"

هناك معهود سابق انصرف إليه، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على

الاستغراق، صونا له عن الإجمال والتعطيل. و لفظ الإنسان ههنا لائق بالكافر لأن

العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة" (225) . و يذهب بعضهم إلى"أن نزولها في الكفار

ثم هي بعد تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر أو عاصٍ" (226) ، في حين يذهب"

إلى أنها للجنس كل من: الزمخشري (227) وأبي حيا ن (228) و الألوسي (229) . و مع أن

قول أبي السعود في معنى لفظ إنسان هنا إنه"وصف للجنس باعتبار حال بعض أفراده"

ممن هو متصف بهذه الصفة" (230) ، لا يُفهِم أنه محصور في الكافرين، إلا أن الذي يظهر"

-و الله أعلم - أن المراد الكافر؛ لأن ما ذكر من الإعراض لا يليق بالمسل م، و لأن

أغلب المفسرين ذكروا أن المسرف هنا هو الكافر (231) ، و لما أعقبت به الآيات من

.... و لقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا. ذكر وعيد الأمم الكافرة في قوله تعالى

الآية موضع الدرس بسابقتها"أنه تعالى حكى عنهم - أي الكفار - أنهم يستعجلون في"

225)الرازي ج 17 ص 51، و انظر البقاعي ج 9 ص 83، حاشية الشهاب ج 5 ص 11، الطاهر)

ج 11 ص 109

، 226) ابن عطية ج 9 ص 18)

227)انظر الزمخشري ج 2 ص 228)

228)انظر أبو حيان ج 5 ص 133)

229)انظر الألوسي ج 11 ص 80)

230)أبو السعود ج 4 ص 126)

231)انظر ابن جرير ج 11 ص 66، ابن عطية ج 9 ص 18، الرازي ج 17 ص 52، أبو حيان ج 5)

ص 134، البقاعي ج 9 ص 85، الطاهر ج 11 ص 112

454 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

نزول العذاب، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب و الاستعجال؛ لأنه لو

، (نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه و يؤذيه فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه"(232"

و ذكر آخرون أن"تعلق الآية الكريمة بما قبلها من حيث إن في كل منهما إملاء للكفرة"

على طريقة الاستدراج بعد الإنقاذ من الشر المقدر في الأولى، و من الضر المقرر في

.(الأخرى"(233"

و الآيات تبين حالا للإنسان يلتجيء فيها إلى الله تعالى بانقطاع تام، و يتضرع

إليه في كل أحواله مضطجعا متهالكا، و قاعدا غير قادر على القيام، و قائما غير قادر

على المشي ضعفا واضطرابا (234) . و يظل يدعو ربه طوال مدة المس بالضر (235) ، فإذا ما

.فلما كشفنا. استجاب له ربه و بادره بكشف الضر بما تشير إليه الفاء (236) في قوله

عاد إلى طريقته الأولى قبل مس الضر من الإعراض عن ربه (237) ، و قيل ترك موطن

الابتهال والتضرع (238) . والمرور هنا استعارة (239) جسّدت حال هذا المعرض عن ربه

232)الرازي ج 17 ص 49، و انظر أبو حيان ج 5 ص 133)

233)أبو السعود ج 4 ص 126، و انظر الألوسي ج 11 ص 80 ن الطاهر ج 11 ص 109)

، 134، أبو السعود ج 4 ص 126 - 234) انظر الزمخشري ج 2 ص 228، أبو حيان ج 5 ص 133)

.235) انظر البقاعي ج 9 ص 84)

236)انظر البقاعي ج 9 ص 84، أبو السعود ج 4 ص 126، الألوسي ج 11 ص 80)

237)انظر ابن جرير ج 11 ص 66، الزمخشري ج 2 ص 228، ابن عطية ج 9 ص 18، الرازي)

ج 17 ص 51، أبو حيان ج 5 ص 134، أبو السعود ج 4 ص 126، حاشية الشهاب ج 5

ص 11 المتن و الهامش، الألوسي ج 11 ص 80، الطاهر ج 11 ص 111

238)انظر المصادر السابقة ما عدا الطاهر)

.239) حاشية الشهاب ج 5 ص 11، الألوسي ج 11 ص 8، الطاهر بن عاشور ج 11 ص 111)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 455

كأن لم يدعنا إلى ضر.: المنكر لنعمته رشّحتها جملة الحال التشبيهية (240) في قوله

فهي تجعل صورة هذا الجاحد الذي ينتقل من مقام الشكر إلى مقام الكفران،. مسه

ناسيًا أو متناسيًا ما كان فيه قبل قليل من الضعف والعجز والحاجة إلى ربه الكريم؛

حاضرة في الذهن، وفي ذلك بيان لسوء عبوديته (241) وتقبيح لحاله.

ولما كان هذا الأمر مما لا يليق بحال الإنسان مع ربه المنعم عليه، فقد أتبعه

و لقد أهلكنا القرون من قبلكم لما. القرآن بذكر إهلاك الأمم الظالمة في قوله تعالى

{13} . ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين

(تهديدًا لمن يفعل ذلك وردعًا لهم(242

وفي سورة يونس موطن آخر مشابه إلا أن فيه زيادة على الإعراض وقوع البغي

هو الذي يسيركم في البر و البحر حتى إذا.: من هذا الإنسان الجاحد، وهو قوله تعالى

كنتم في الفلك و جرين بهم بريح طيبة و فرحوا بها جاءتها ريح عاصف و جاءهم الموج

من كل مكان و ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه

لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما

وإذا.: 23، يقول الرازي في ذكر علاقة هذه الآية بسابقتها"اعلم أنه تعالى لما قال -"

كان هذا الكلام كلامًا. أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا

.240) انظر أبو السعود ج 4 ص 126)

.241) انظر البقاعي ج 9 ص 84)

242)انظر ابن جرير ج 11 ص 66، ابن عطية ج 9 ص 18، الرازي ج 17 ص 53، أبو حيان ج 5)

ص 134، البقاعي ج 9 ص 85، أبو السعود ج 4 ص 127، الألوسي ج 11 ص 81، الطاهر ج

11 ص 113

456 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

كليًا لا ينكشف معناه تمام الانكشاف إلا بذكر مثال كامل، فذكر الله تعالى لنقل

الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثا ً لا، ولمكر الإنسان مثا ً لا حتى تكون هذه الآية

كالمفسرة للآية التي قبلها" (243) والمذكور في هذه الآية ضرب من ضروب مكرهم"

حال نجاتهم من ش دائد البحر التي هي أغلب على الإنسان من خوف البر (244) ، فالله

تعالى يمتن على هؤلاء الكفار بنعمة تسخير الفلك لهم وتسييرهم بها في البحر ابتغاء

كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم". وجرين بهم.: للمنفعة، ثم يلتفت عنهم في قوله"

(منها، ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح"(245) ، وقيل إن الإلتفات تبعيد لهم ومقت (246"

هو الذي يسيركم في البر. واستظهر أبو حيان"أن حكمة الالتفات هنا هي أن قوله"

خطاب فيه امتنان وإظهار نعمة. والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكّفار. والبحر

والخطاب شامل، فحسن خطابهم بذلك ليستديم الصالح على الشكر، ولعل الطالح

يتذكر هذه النعمة فيرجع، فلما ُ ذكرت حالة آل الأمر في آخرها إلى أن الملتبس بها هو

باغ في الأرض بغير الحق عدل عن الخطاب إلى الغيبة، حتى لا يكون المؤمنون يخاطبون

بصدور مثل هذه الحالة التي آخرها البغي" (247) . ويحكي القرآن سوء صنيعهم وقبيح ما"

أتوا في حق من اعترفوا بوحدانيته، فهم حال ما أتتهم الريح الشديدة و أحاط بهم الموج

حيث"جعل إحاطة. أحيط بهم. من كل مكان وأشرفوا على الهلاك بما دل عليه قوله"

243)الرازي ج 17 ص 67)

244)انظر أبو حيان ج 5 ص 141، البقاعي ج 9 ص 98)

245)الزمخشري ج 2 ص 231، انظر أبو السعود ج 5 ص 134، حاشية الشهاب ج 5 ص 18 المتن)

والهامش، الألوسي ج 11 ص 96

.246) انظر الرازي ج 17 ص 69، البقاعي ج 9 ص 98)

.247) أبو حيان ج 5 ص 142)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 457

العدو بالحي فع ً لا في الهلاك" (248) ؛ أخلصوا الله بالدعاء والعبادة، وهذا أمرٌ مركوزٌ في"

لنكونن من. طبائع العالم (249) ، وأخذ وا على أنفسهم عهدا لله بالعبادة والشكر

ويلحظ مؤكدات وعدهم من القسم ونون التوكيد وكونهم من جنس،. الشاكرين

الشاكرين العريقين الراسخين في هذه الصفة (250) ، ومع استبعادهم للنجاة - بما دلت

عليه أداة الشك (إن) - لإحاطة أسباب الهلاك بهم وشدة الخطب وإبلا سهم مما هم فيه

فلما.: من الرعب الذي يخرس الألسنة (251) ؛ تسرع الإجابة إليهم بدلالة الفاء في قوله

252)، و يأتي ردهم لحسن صنيع ربهم بهم بإقدامهم في الحال - بما دلت عليه). نجاهم

إذا الفجائية (253) - على البغي في الأرض، مع تجدد ذلك و استمراره بما دلت عليه

صيغة المض ارع (254) . و إضافة في الأرض تأكيد لتمكنهم من النجاة فقد"جعلوا مكان"

248)الزمخشري ج 2 ص 232، وانظر الرازي ج 17 ص 70، أبو حيان ج 5 ص 142، البقاعي ج 9)

ص 98، أبو السعود ج 5 ص 134، حاشية الشهاب ج 5 ص 18 المتن والهامش، الألوسي ج 11

ص 97، الطاهر ج 11 ص 137

.249) انظر أبو حيان ج 5 ص 143)

250)انظر البقاعي ج 9 ص 99، أبو السعود ج 5 ص 135، الألوسي ج 11 ص 98، الطاهر ج 11)

.ص 138

251)انظر على سبيل المثال: الطاهر ج 24 ص 71 آية الزمر 71، و مواضع الحذف لضيق المقام في)

3، شروح التلخيص ج 1 ص 277، ج 2 ص 2

252)انظر البقاعي ج 9 ص 100، أبو السعود ج 5 ص 135، حاشية الشهاب ج 5 ص 19 المتن والهامش،)

.الألوسي ج 11 ص 98

253)انظر الرازي ج 17 ص 71، أبو حيان ج 5 ص 143، البقاعي ج 9 ص 100، أبو السعود)

ج 5 ص 135، حاشية الشهاب ج ص 19 المتن و الهامش، الألوسي ج 11 ص 98، الطاهر

ج 11 ص 138

254)انظر أبو السعود ج 5 ص 135، الألوسي ج 11 ص 98، الطاهر ج 11 ص 138)

458 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

أثر النعمة بالنجاة مكانا للبغي" (255) ، وفيه إشارة إلى عموم بغيهم في جميع"

أقطارها (256) ، وتقبيح لحالهم و توبيخ لهم على هذا النكران. و لما كان الجرم عظيما

فقد ختمت الآية بتهديدهم و وعيدهم بال عقوبة بتوجيه الخطاب إليهم (257) في قوله تعالى

يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما.

وانتفاعهم به قصير قصر الحياة الدنيا الزائلة؛ لأن المتاع - كما سبق أن ذكر -"يطلق"

على ما لا بقاء له" (258) ، ثم لا مهرب لهم من الله تعالى الذي جحدوا فضله و قابلوا"

إحسانه بالإساءة، و مردهم سيكون إليه وحده دون سواه بما دل عليه تقديم الجار

والمجرور (259) . و قد عطفت الجملة ب (ثم) كما يقول الطاهر"لإفادة التراخي الرتبي، لأ ن"

.... إنما بغيكم على أنفسكم. مضمون هذه الجملة أصرح تهديدا من مضمون جملة

تفريع وعيد على تهديد" (260) ، فكأن. إلينا مرجعكم. على جملة. فننبئكم. وتفريع"

أولى مراتب التهديد هي إعلامهم بأن عاقبة بغيهم عائدة عليهم، ثم يترقى التهديد إلى

إعلامهم بأن مرجعهم إلى م ن بغوا و تجاوزوا على حدوده، مما يعني وقوفهم بين يديه

وانقطاعهم عن الأسباب التي كانوا يعتمدون عليها دونه، ثم يذكر (الإنباء) المتضمن

معنى المجازاة؛ لأنه"إذا ذكر علم الله أو إثباته بكتابة و نحوها لما فعله العباد فهو عبارة"

255)الطاهر ج 11 ص 138)

256)انظر أبو السعود ج 5 ص 135، الألوسي ج 11 ص 98)

257)انظر أبو السعود ج 5 ص 135، الألوسي ج 11 ص 98)

258)حاشية الشهاب ج 5 ص 19)

259)انظر أبو السعود ج 5 ص 136، الألوسي ج 11 ص 100، الطاهر ج 11 ص 140)

260)الطاهر ج 11 ص 140)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 459

عن المجازاة" (261) . و طريقة إثب ات العقوبة - كما ذكرها الطاهر (262) - أن من يعلم"

سوء صنيع عبده فلا يمنعه من عقوبته مانع. و إلى معنى المجازاة أشار أغلب المفسرين في

تفسير لفظي (اللجوء و الإنباء) (263) . و لا يخفى أن الآية في الكفار لاتصالها بسابقتها

.(التي ذكر أغلب المفسرين أنها فيهم (264

و هناك موطن يلتقي مع السياق في كونه كشفا وإزالة لشدة وهو قوله تعالى

وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا. في سورة النحل

كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف

وإذا مس الناس ضر. سبقت دراستها في القسم الثاني من هذا البحث وهي قوله تعالى

دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما

حال الإنسان حين يعقب الضراء ذوق الرحمة، و آية النحل هنا تذكر حاله عند كشف

ما به من ضر. فهؤلاء إذا أصابهم الضر فزعوا إلى الله وحده، و حين يتحقق كشف

الضر عنهم بدلالة (إذا) التي يقول عنها أبو السعود:"ولعل إيراد (إذا) دون (إن) "

للتوسل به إلى تح قق وقوع الجواب" (265) ؛ يتحقق شركهم. و الآيات تعبر عن سعة"

261)حاشية الشهاب ج 5 ص 17)

262)انظر ج 11 ص 140)

263)انظر ابن جرير ج 11 ص 71، الرازي ج 17 ص 72، البقاعي ج 9 ص 101، البيضاوي)

بهامش حاشية الشهاب ج 5 ص 19، أبو السعود ج 5 ص 136، الألوسي ج 11 ص 100

33 من هذا البحث، 264) انظر ص 32)

265)أبو السعود ج 5 ص 120)

460 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

رحمة الله و عميم إحسانه مقابل شدة جحود المشركين مع الله آلهة غيره (266) ، مع

(معرفتهم أنه لا ملجأ لهم في الشدائد إلا إليه، فنراهم وقد استغرقوا في نعم الله زمنا (267

مما أبطرهم و جعل أمر إخلاصهم. ثم إذا مسكم. بما دلت عليه أداة التراخي في قوله

مستبعدا (268) ، و حين أصابتهم أدنى درجات الضر بما دل عليه فعل المس و التعريف

الدال على أدنى ما يطلق عليه اسم الضر (269) فزعوا إلى الله وحده (270) بما أفاده

تقديم الجار و المجرور و كان الأولى بهم أن يُمنعوا الفضل لسوء صنيعهم مع ربهم،

ولكن الله تعالى يعاملهم بفضله فيكشف و يزيل هذا الضر عنهم، فيبادرون إلى الإشراك

:. ثم إذا كشف الضر. بما دلت عليه (إذا) الفجائية! و جيء ب (ثم) في قوله

إذا."للدلالة على تراخي رتبة ما يترتب عليه من مفاجأة الإشراك المدلول عليها بقوله"

فإن ترتبها على ذلك في أبعد غاية من الضلال" (271) . و في. فريق منكم بربهم يشركون"

كون فعل الشرك بربهم المتفضل إيذان"بكمال قبح ما ارتكبوه من الإشراك"

ليكفروا بما آتيناهم. والكفران" (272) . وقد ترتب على هذا أمرهم بالكفر تهديدا بقوله"

266)انظر ابن جرير ج 14 ص 82، الزمخشري ج 2 ص 413، ابن عطية ج 10 ص 197، الرازي)

ج 20 ص 51، أبو حيان ج 5 ص 487، البقاعي ج 11 ص 179، أبو السعود ج 5

ص 120، حاشية الشهاب ج 5 ص 340 المتن و الهامش، الألوسي ج 14 ص 165، ال طاهر

ج 14 ص 178

.267) انظر أبو السعود ج 5 ص 120، الألوسي ج 14 ص 165)

268)البقاعي ج 11 ص 179)

269)انظر أبو السعود ج 5 ص 120، الألوسي ج 14 ص 165)

270)انظر الزمخشري ج 2 ص 413، الرازي ج 20 ص 51، أبو حيان ج 5 ص 487، البقاعي)

ج 11 ص 180، أبو السعو د ج 5 ص 120، حاشية الشهاب ج 5 ص 340 المتن و الهامش،

الألوسي ج 14 ص 165

271)أبو السعود ج 5 ص 120)

272)أبو السعود ج 5 ص 120، وانظر الألوسي ج 14 ص 165)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 461

ففي أمرهم بما يوجب عقوبتهم دلالة على كمال الغضب. . فتمتعوا فسوف تعلمون

وحذف مفعول (تعلمون) وهو"المتهَدَّد به أبلغ و أهول لذهاب النفس في تعيينه كل"

. (مذهب"(273) ، و فيه إشعار بأنه مما لا يوصف (274"

فمن الله، فإليه تجأرون،. و يلحظ في هذه الآية كثرة و تتابع الفاءات في قوله

و لعل الفاء الأولى (فمن) تدل على السببية و كونها من. فتمتعوا، فسوف تعل مون

الله تعالى، و أما الثانية (فإليه) فإنها تشير إلى التعقيب و الترتيب، و فيها معنى المبادرة

إلى الدعاء و التضرع. و قد ناسب مبادرتهم بالإشراك مبادرته تعالى لهم بالعقوبة المتمثلة

فهم قد أقبلوا إليه مسرعين ساعة،. فتمتعوا فسوف تعلمون. في وعيدهم في قول ه

الشدة، و أدبروا عنه في الحال ساعة كشفها فناسب ذلك أن يبادرهم بذكر عقوبتهم.

و إذا مسكم الضر. و مما جاء فيه لفظ إنسان مرادا به الكافر (275) قوله تعالى

.في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و كان الإنسان كفورا

{الإسراء 67} . و ضر البحر أهواله و خوف الغرق فيه، و هؤلاء الكفار حال وقوعهم

في شدائد البحر لا يدعون غير الله لإنجائهم غائبا عنهم ذكر آلهتهم التي يشركونها مع الله

في العبادة. وحين تتحقق نجاتهم وتخليصهم مما هم فيه من الشدة بفضل ه و قدرته تعالى

يكون ردهم الإعراض عن توحيده و عبادته وشكره. و مع ما أشار إليه فعل المس من

الإصابة بأدنى درجات الضر، وسرعة استجابته تعالى لهم بما دلت عليه فاء التعقيب؛ من

273)البقاعي ج 11 ص 181)

274)انظر أبو السعود ج 5 ص 120، الألوسي ج 14 ص 166)

275)انظر ابن جرير ج 15 ص 84، الزمخشري ج 2 ص 457، ابن عطية ج 10 ص 322، الرازي)

، ج 21 ص 10، أبو حيان ج 6 ص 57، ابن كثير ج 4 ص 327، البقاعي ج 11 ص 472

أبو السعود ج 5 ص 185، حاشية الشهاب ج 6 ص 47 المتن و الهامش، الألوسي ج 15

ص 114، الطاهر ج 15 ص 159

462 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

رحمته بهم، فإن في مجيء جواب (لما) - الدالة على وجوب لوجوب -

دلالة على فساد طباعهم و على بُعد ما بين رحمة الله و جحودهم.؛. أعرضتم. ماضيا

التي تفيد تحقق. و إذا مسكم. و لا يعكر على حديث الرحمة مجيء (إذا) في قوله

الوقوع، لأن السبب فيه أن الآيات في سياق جاء فيه"وصف المشركين في اعتقادهم"

آلهتهم و أنها تضر و تنفع، و اتبع ذلك بقص ة إبليس مع آدم و تمكينه من وسوسة ذريته

و تسويله" (276) ، فهي تشير إلى أن اختبار هؤلاء بمس الضر وهو أقل الإصابة أمر محقق"

و إذا مس الإنسان. الوقوع. و من دلالات (إذا) هنا ما سبق أن ُ ذكر في آية يونس

الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأ ن لم يدعنا إلى ضر مسه

مس الضر سيكون الالتجاء إلى الله بدلالة (إذا) الموضوعة للمستقبل، و أن حاله المحقق في

كل مرة هو الإعراض عند كشف الضر بدلالة (لما) (277) . و لا يخفى ما في مجيء

جواب الشرط بعد فعله مباشرة بعد (إذا) و (لما) من الإشارة إلى جحود هذا الإنسان

و نكرانه؛ لبعد ما بين حال المبادرة بالدعاء في الشدة و حال المبادرة إلى الإعراض مع

وكان الإنسان. كشف الضر. وختمت الآية بذكر نكران جنس (278) الإنسان لنعم ربه

و لم يخاطبهم بذلك بل أسند ذلك إلى الإنسان لطفا بهم، و إحالة على الجنس". كفورا"

إذ كل أحد لا يكاد يؤدي شكر نعم الله" (279) . و لما كان القرآن يفسر بعضه بعضا فإننا"

276)أبو حيان ج 6 ص 57)

277)انظر الرازي ج 17 ص 52، أبو حيان ج 5 ص 134، و انظر ص 32 من هذا البحث)

278)انظر ابن جرير ج 15 ص 84، ابن عطية ج 10 ص 322، ابن كثير ج 4 ص 327، البقاعي)

ج 11 ص 472، حاشية الشهاب ج 6 ص 48، الألوسي ج 15 ص 115، الطاهر ج 15

ص 160

279)أبو حيان ج 6 ص 57)

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 463

نستطيع أن نفهم من قول ابن كثير"أي سجيته هذا ينسى النعم و يجحدها إلا من"

عصم الله" (280) ، وقول البقاعي:"يعم هذا النو ع لطبعه على النقائص إلا من

و لئن. أخلصه الله" (281) ؛ أن المؤمن مستثنى من هذا بدليل قوله تعالى في آية هود"

إن الإنسان خلق هلوعا إذا. 10 وقوله تعالى - 9 .... أذقنا ... إلا الذين صبروا

.... مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون

282). و لما كان جرم من يدعو ربه عند الشدة و يعرض عنه إذا) 35 - المعارج 19

كشفها عظيما، ذكرهم تعالى أنه قادر على إيقاع العذاب بهم في البر الذي نجوا منه،

أفأمنتم أن يخسف. وأنه قادر على إرجاعهم إلى البحر مرة أخرى، ثم إغراقهم فيه فقال

بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أو أمنتم أن يعيدكم فيه

تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به

وفي سورة العنكبوت موضع آخر في خوف البحر يقول عنه وعن أمث اله الطاهر

ابن عاشور:"وإنما خص بالذكر حال خوفهم من هول البحر في هذه الآية، و في آيات"

كثيرة مثل ما في سورة يونس و ما في سورة الإسراء، لأن أسفارهم في البر كانوا

لايعتريهم فيها خوف يعم جميع السفر، لأنهم كانوا يسافرون قوافل معهم سلاحهم،

ويمرون بسبل يأ لفونها فلا يعترضهم خوف عام، فأما سفرهم في البحر فإنهم يفرقون من

280)ابن كثير ج 4 ص 327)

281)البقاعي ج 11 ص 472)

، 50، الزمخشري ج 4 ص 158، 282) انظر في ذلك أقوال المفسرين ابن جرير ج 29 ص 49)

ابن عطية ج 16 ص 113، الرازي ج 29 ص 128، أبو حيان ج 8 ص 329، البقاعي

401، الألوسي ج 29 ص 62، ج 20 ص 400

464 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

هوله، و لا يدفعه عنهم وفرة عدد و لا قوة عُدَد ... و أيضا كان يخامرهم الخوف عند

ركوبهم في البحر لقلة إلفهم بركوبه إذ كان معظم أسفارهم في البراري" (283) و هو كلام"

حسن. والمتأمل في حال الناس اليو م من فرقهم من البحر و تحقق ما جاء في الآية فيهم

قد يرى في اختصاص ذكر خوف البحر أسبابا أخرى، فللبحر قوة عاتية جعلت الرسول

صلى الله عليه و سلم ينهى عن ركوبه إلا لحج أو غزو، والإنسان - مهما أوتي من

العلم في حركات الرياح وحالات الطقس وطبيعة المنطقة التي يبحر فيها - لا يستطيع أن

يتنبأ بما سيفاجئه في البحر، مما يجعل الخطر في ركوبه داهما، و الضرر لا يُدرى مأتاه.

فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر. يقول تعالى

{6 - العنكبوت 65} . إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون

وهذه الآية كسابقتيها من حيث دلالة (إذا) و (لما) ، فهؤلاء الكفار (284) كعادة الذين

تنقطع بهم أسباب طغيانهم و تجبرهم و يوقنون أنه لا مخلص لهم من الشدائد إلا الله،

فيلجأون له وحده بالدعاء والتضرع. و حينما ينجيهم من هذه المهالك إلى البر يبادرون

إلى الإشرا ك مرة أخرى بما دلت عليه (إذا) الفجائية (285) . و هذا شأنهم المحقق كلما

.ليكفروا. وقع لهم هذا الأمر فيما يستقبل من الزمان. وهنا تتوعدهم الآيات بقوله

لأن"الأمر فيه للتهديد والله سبحانه لا يأمرهم بالكفر، و لكن لما علم أنه لا يكون منهم"

283)الطاهر ج 21 ص 32)

284)انظر ابن جرير ج 21 ص 9، الزمخشري ج 3 ص 212، ابن عطية ج 12 ص 238، الرازي)

ج 25 ص 92، أبو حيان ج 7 ص 154، البقاعي ج 14 ص 476، أبو السعود ج 7 ص 47

حاشية الشهاب ج 7 ص 109 المتن و الهامش، الألوسي ج 21 ص 13، الطاهر ج 21

ص 32

285)انظر أبو حيان ج 7 ص 155، أبو السعود ج 7 ص 47، حاشية الشهاب ج 7 ص 109 المتن)

و الهامش، الألوسي ج 21 ص 13، الطاهر ج 21 ص 33

ص73

إلا ذلك، و أنهم أصحاب لجاجة، واجههم بهذا التهديد الموحي بأن الله سبحانه لشدة

غضبه عليهم كأنه يأمرهم بما يوجب عقابهم" (286) ، والملحوظ هنا أن الآية أعرضت عن"

مواجهتهم بالتهديد، خلافا لشبيهاتها في السياقات السابقة، و لعل ذلك لمزيد من إظهار

حقارة شانهم بعدم مخاطبتهم - ولو على سبيل ا لتهديد - أو لعله حكاية لغيرهم عن

صنيعهم للتعجيب منه.

و يتكرر التهديد و الوعيد بالأمر بالكفر و التمتع في عدة سياقات، فقد ذكر

المتاع ومشتقاته عقب أجوبة الشرط في آيات الابتلاء في خمسة مواضع أربعة منها بصيغة

الأمر، و ورد فعل الأمر بالكفر في ثلاثة منها و الآيات هي:

فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على.

{يونس 23} . أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون

وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف.

الضر عنكم إذا فريق من كم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف

{النحل 55} . تعلمون

فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم.

{66- العنكبوت 65} . يشركون ليكفروا بما آتيناهم و ليتمتعوا فسوف يعلمون

و إذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق.

{الروم 34} . منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون

و إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة نسي ما كان.

286)د. محمد أبو موسى: دلالات التراكيب ص 250)

ص74

يدعو إليه من قبل و جعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من

{الزمر 8} . أصحاب النار

يقول د. صباح دراز معلقا على الأمر بالتمتع فيها"و المثير في دلالة التمتع"

على صيغة الأمر أنها جاءت في سبع آيات في خطابات شديدة متوعدة في إهانة وتبكيت

الذاريات 43، و عن. وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين. على ألسنة الرسل

هود 65، و عن مشركي. فع قروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. ثمود أيضا

287). و قد سبق التعليق على)" {المرسلات 46} . كلوا و تمتعوا قليلا. العرب"

دلالة الأمر بالتمتع في سياق الآيات الخاصة به من البحث.

وردت في الآيات السابقة أفعال النجاة بين صيغتي (أنجى) و (نجى) يقول تعالى

قل من ينجيكم في ظلمات البر و البحر تدعونه تضرعا و خفية لئن. في سورة الأنعام

أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها و من كل كرب ثم أنتم

دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيت نا. 64، ويقول في سورة يونس -63. تشركون

وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما. 22 و في سورة الإسراء

فإذا. 67 و في سورة العنكبوت. نجاكم إلى البر أعرضتم و كان الإنسان كفورا

.ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون

مرتين في آية الأنعام و هود مسبوقة ب (إن) ، وفي الجواب بصيغة (ّ نجى) في ثلاثة

.287) د. صباح دراز: الأساليب الإنشائية ص 38)

ص75

مواضع و بصيغة (أنجى) مرة واحدة. و يذكر ابن ف ارس في معنى النجاة أنها في أحد

أصليها تدل على الكشط و الكشف (288) ، ويذكر ابن منظور أن معناها(الخلاص من

الشيء) (289) ، و كلا القولين يشير إلى أن هناك خروجا من ورطة أو شدة، و هذا يوحي

بحصول الأمن بعد الخوف والسلامة بعد الإشراف على الهلاك.

و لم أجد من المفسر ين الذين اطلعت على كتبهم من أشار إلى الفرق بين

من. فلما نجاكم."صيغة (نجى) و (أنجى) سوى البقاعي في آية الإسراء حيث قال"

الغرق وأوصلكم بالتدريج" (290) ، و أشار د.إبراهيم الجعلي في تعليقه على آية سورة"

التعظيم (291) ، و لعله المراد هنا أي نجاكم مرة بعد مرة. أما الفعل (أنجى) فقد ذكر

علماء التصريف أن من معاني صيغة (أفعل) التمكين (292) ، وهو الملائم هنا في آية

يونس فيصبح معنى (أنجاهم) أي مكنهم من النجاة. و لعل الفعل (أنجى) هنا ملا ئما

ولا يعكر على هذا مجيء الطلب بصيغة .. لئن أنجيتنا. في الرد على طلبهم بقولهم

، .... لئن أنجانا ... قل الله ينجيكم منها. (أنجى) ، والإجابة بصيغة (نجى) في آية الأنعام

لأنه تعالى ذكرهم بالنجاة من هذه الشدة ومن غيرها من الشدائد، فناسب الصيغة الدالة

على التكثير و التعظيم كما في آية البقرة.

قل أرأيتكم. وقريب من دلالة النجاة دلالة الكشف التي سابقا في آية الأنعام

288)انظر ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج 5 ص 397)

289)ابن منظور: لسان العرب ج 15 ص 304 مادة (نجى ) )

290)البقاعي ج 11 ص 472)

291)انظر د. إبراهيم الجعلي: من جماليات التكرار ص 80، أحمد الحملاوي: شذا العرف ص 43)

292)انظر الحملاوي: شذا العرف ص 42)

ص76

.... و لما وقع عليهم الرجز. 41، و آية الأعراف -40. إن أتاكم عذاب الله

الإشارة إلى دلالة الكشف.

أما عن أفعال الشرط فقد جاء فعل الإذاقة في سبعة مواضع ستة منها أسند

للرحمة بصيغة التنكير، وواحد للنعماء نكرة أيضا، أما المواضع الست فهي:

{يونس 21} . ... وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم.

{هود 9} .... و لئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها.

{فصلت 50} .... ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي.

{الشورى 48} .... وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها.

{الروم 33} . ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركو.

{الروم 36} .... و إذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها.

و أما الواحد فهو قوله تعالى:

{هود 10} .... و لئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني.

ومن مواضع ورود (الذوق) مواضع ذكر العذاب (293) ، التي ذهب صاحب

المفردات في غريب القرآن (ت 565 ه) إلى أنه كثر استعماله فيه (294) ، وذلك لما

فيه من الدلالة على شدة الإحساس، حيث يقول الرازي في معناه إنه"إدراك لمسي أتم"

، 148، يونس 52، النحل 94، 293) آل عمران 181، النساء 56، المائدة 95، الأنعام 65)

57، الزمر 26، القمر 48، التغابن 5، الطلاق 9، النبأ 24، 42، ص 8، 112، سبأ 12

294)انظر الأصبهاني: المفردات في غريب القرآن ص 264)

ص77

من غيره في الملموسات ... فيجتمع في العذاب شدته و إيلامه" (295) . ولا يتعارض هذا"

مع إسناده للرحمة، لأن المراد هنا إدراك شيء قليل من الرحمة، وهو مع قلته يدفع

بالإنسان إلى التمرد.

و جاء ذكر المس مسندا للإصابة بالضر والشر إحدى عشرة مرة، أربع مرات

منها للشر معرفا، و سبع مرات للضر واحدة منهن بلفظ الضراء منكرا، و ثلاث للفظ

الضر منكرا، و ثلاث له معرفة، و أسند مرة واحدة للخير، و هي كالآتي:

{فصلت 49} . و إن مسه الشر فيئوس قنوط.

{فصلت 51} . و إذا مسه الشر فذو دعاء عريض.

{الإسراء 83} . و إذا مسه الشر كان يؤوسا.

{المعارج 20} . إذا مسه الشر جزوعا.

{فصلت 50} .... و لئن أذقناه ... ضراء مسته ليقولن هذا لي.

{الزمر 8} . و إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه.

{الزمر 49} .... فإذا مس الإنسان ضر دعانا.

{الإسراء 67} . و إذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه.

{يونس 12} .... و إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا.

{النحل 53} . ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون.

{المعارج 21} . و إذا مسه الخير منوعا.

295)الرازي ج 29 ص 132 آية القمر 48)

ص78

و جاء ذكر النعمة بصيغة الماضي المسند لضمير العظمة مرتين وهي قوله تعالى

{الإسراء 83} .... و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نأى بجانبه.

{فصلت 51} .... و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نأى بجانبه.

و جاءت الإصابة مسندة للسيئة منكرة أربع مرات، وواحدة للحسنة نكرة

وهي

{النساء 78} .... و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك.

{الأعراف 131} .... و إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى و من معه.

{الشورى 48} . و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفو.

{الروم 36} . وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون.

{النساء 78} . و إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله.

و جاء التخويل مسندا للنعمة منكرة مرتين كلاهما في سورة الزمر، و لكن

أحدهما مسندا لضمير الغائب و الآخر مسندا لضمير العظمة و هما:

{8} .... ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل و جعل لله أندادا.

{49} .... ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم.

و جاء الكشف مسندا للضر مرتين كلاهما معرفة، و الفاعل في أحدهما ضمير العظمة،

و الثاني ضمير الغائب، و مرتين للرجز و مرة للعذاب وهما معرفتان:

{يونس 12} .... فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه.

{النحل 54} . ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون.

ص79

{الأعراف 135} . فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون.

{الزخرف 50} . فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون.

و المتأمل لمعنى الذوق و المس يجد أن معنى الأول"اختبار الشيء من جهة"

تطعم، ثم يشتق منه مجازا فيقال ... ذقت ما عند فلان: اختبرته ... و يقال ذاق القوس

إذا نظر ما مقدار إعطائها و كيف قوتها" (296) . وجاء في معنى الثاني أنه"يدل على حس

الشيء باليد" (297) ، و جاء أيضا"المس كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء

وإن لم يوجد، والمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس" (298) . و لعل مما يُنتبه له"

أن الذوق أسند للرحمة لما يدل عليه من بلوغ الإدراك للشيء المذوق، مع قلته، بخلاف

المس المسند للضر و الشر الذي لا يفيد أكثر من الملامسة دون الوصول إلى إدراك

حقيقة الشيء الممسوس، و إن كانت تعطي معنى حصول أثرٍ ما لما يفيده المس للأشياء

المحسوسة من معرفة بخواصها من الحرارة و البرودة، و النعومة و الخشونة و ما شابه

ذلك. وهذا يشير إلى غلبة الرحمة منه تعالى على العذاب.

أما دلالة الإنعام و التخويل فلا تأتي إلا لما هو خير لأن الإنعام"أصل واحد"

(يدل على ترفه وطيب عيش وصلاح"(299) ومعناه"إيصال الإحسان إلى الغير"(300"

296)ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج 2 ص 364)

297)ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج 5 ص 271)

298)الأصبهاني: المفردات ص 709)

299)ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج 5 ص 446)

300)الأصبهاني: المفردات ص 760)

ص80

مع إضافة معنى (التفضل ابتداء) للتخويل و التمكين من النعمة المخوّلة له. و الملحوظ في

فعل الإنعام حذف المفعول ليشمل كل أنواع النعمة (301) . أما صيغة المضعف (خوّل)

.(فإن فيها معنى التكثير و التعظيم (302

وفي الإصابة قدر من التحقق أعمق مما في المس، لأنها تدل"على نزول شيء"

واستقراره قراره. من ذلك الصواب في القول و الفعل كأنه أمر نازل مستقر قراره ...

ومنه الصوب وهو نزول المطر" (303) ، و تدور حول معنى إدراك المقصود، سواء في"

السهم إذا أصا ب الهدف أو المطر إذا أدرك الأرض المقصودة (304) . ومع استحقاق

الإنسان لها بمعاصيه إلا أن رحمته تعالى التي سبقت غضبه تتداركه بالإصابة بشيء قليل

من السيئات، دل عليه تنكير لفظ (سيئة) . أما إسناد الإصابة للحسنة بلفظ التنكير

(حسنة) مع (إن) الدالة على الأمر النا در الوقوع، فلعل ذلك - كما سبق أن ُ ذكر -

لأن الأولى بهؤلاء المنافقين أن تكون إصابتهم بالحسنات أمرا نادرا.

و في التعبير بالكشف مع الضر و الرجز و العذاب توكيد للدلالة على الخروج

من شدة، و تأكيد لقرب معناه من معنى النجاة. و فيه إيحاء بالتنفيس والراحة بعد

الكرب و التعب.

وعند التأمل في جمل أفعال الشرط و جوابه في آيات الابتلاء بالخير والشر، نجد

أن أفعال الشرط جاءت مع (إذا) و (لما) بصيغة الماضي و هذا بحكم اختصاص كل

301)انظر شروح التلخيص ج 2 ص 140)

302)أحمد الحملاوي: شذا العرف في فن الصرف 43)

303)ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج 3 ص 317)

304)الأصبهاني: المفردات ص 4)

ص81

منهما، مع اختلاف دلالتهما حيث أن (إذا) لما يستقبل من الزمان، و (لما) تقتضي في

الماضي وجوبا لوجوب. و أتت بصيغة المضارع مع (إن) تارة وبصيغة الماضي تارة

أخرى. أما جمل الجواب فقد تفاوتت فجاءت أحيانا جملا فعلية، و أحيانا جملا اسمية،

يبدأ بعضها ب (إذا) الفجائية.

و الملحوظ في هذا السياق كثرة الجمل الفعلية على الجمل الاسمية في

جواب (إذا) و كثرة صيغ الماضي في الجمل الفعلية على صيغ المضارع، في حين أن

جواب (لما) جاء ثلاث مرات جملة فعلية فعلها ماضي، و أربع مرات جملة اسمية مبدوءة

بإذا الفجائية. و جاء جواب (إن) خمس مرات جملة فعلية فعلها مضارع، و ثلاث

مرات جملة اسمية.

فمما جاء جواب (إذا) في جملة فعلية فعلها ماض قوله تعالى:

{الشورى 48} . و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها.

{الروم 36} . و إذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها.

{الروم 33} . و إذا مس الناس ضر دعوا ربهم.

{الإسراء 67} . و إذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه.

{يونس 12} .... و إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما.

و إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه، ثم إذا خوله منه نعمة نسي ما كان يدعو من.

{الزمر 8} .... قبل

الزمر .... فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة قال إنما أوتيته على علم.

ص82

{الإسراء 83} . و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نأى بجانبه.

{فصلت 51} . و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نأى بجانبه.

{العنكبوت 65} .... فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله.

{الأعراف 131} .... فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه.

و لا يخ في ما في الفعل الماضي من دلالة التحقق بمجرد وقوعه. و قد يلمح في

كونه جوابا للشرط معنى مباشرة الفعل بمجرد وقوع الشرط.

ومما جاء فيه الجواب بصيغة المضارع قوله تعالى:

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن، و أما إذا ما ابتلاه.

{16 - الفجر 15} . فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن

{النحل 53} . ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون.

و قد أشارت الفاء في الجمل الثلاثة إلى التعقيب والمبادرة، مع ما أفاده المضارع من تجدد

أفعال الجواب منهم.

أما الجواب بصيغ الجملة الاسمية، فنحو قوله تعالى:

{يونس 21} . إذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا.

{الروم 33} . ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون.

{فصلت 51} . و إذا مسه الشر فذو دعاء عريض.

{النحل 54} . ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون.

{الإسراء 83} . و إذا مسه الشر كان يؤوسا.

ص83

و بإذا،. فذو. و قد تم التعبير عن المبادرة في الجمل الاسمية بالفاء في قوله

الفجائية التي تشير ضمنا إلى إتيان غير المتوقع. و في الجمل الاسمية من الثبات في ردود

الأفعال ما يشير إلى أن هذه جبلة فيهم. و مثل هذه الصور جاءت في أجوبة (لما)

فمما جاء فيه جواب (لما) بصيغة الفعل الماضي نحو قوله تعالى:

{يونس 12} . فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه.

{الإسراء 67} . فلما نجاكم إلى البر أعرضتم.

الأعراف .... و لما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك.

و أما ما جاء جملا اسمية فنحو قوله تعالى:

{الأعراف 135} . فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون.

{يونس 23} . ... فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق.

{العنكبوت 6} . فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون.

{الزخرف 50} . فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون.

و الأمر الزائد فيها ما تشير إليه دلالتها من (ربط واقع بواقع) (305) مما يشير

إلى أن الأمر حقيقة مؤكدة لا تراجع فيها بخلاف دلالة (إذا) التي تشير إلى إمكان أو

رجحان حصول الأمر، ومن ثم لوحت بالتهديد للرجوع، و لعل مما يؤيد هذا أن

الآيات معها أعقبت غالبا بذكر العقوبة أو الوعيد بها و لم يقف الأمر عند التهديد مثل

305)انظر ص 5 من هذا البحث)

476 مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج (17) ، ع (33) ، ربيع الأول 1426 ه

آيات القسم الثاني.

أما جواب (إن) بصيغة الفعل المضارع فنحو قوله:

{هود 10} .... و لئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني.

{فصلت 50} .... و لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي.

{الأعراف 131} .... و إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى و من معه.

و إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من.

{النساء 78} .... عندك

و مما جاء بصيغة الجمل الاسمية قوله تعالى:

{هود 9} . و لئن أذقناه منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور.

{الشورى 48} . و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور.

{الروم 36} . و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون.

{فصلت 49} . و إن مسه الشر فيئوس قنوط.

و مع ما يدل عليه مجيء (إن) - غالبا مع السيئات، و نادرا مع الرحمة لمن

طغى و تكبر - من فيض الرحمة؛ فقد بينت الأجوبة فرط اليأس و القنوط من رحمة الله

جحودا و نكرانا، حيث جاءت الجمل الاسمية موضحة لتأصلهما - إلا من عصمه الله

بالإيمان - بدلالة الثبات و الدوام فيها.

ص84

تعرض القرآن الكريم في عدة مواضع منه إلى موقف الإنسان تجاه ابتلاء الله له

بالخير والشر. و قد جاء التعبير عنها عن طريق أدوات الشرط (إن) و (إذا) و حرف

(لما) المقتضي وجودا لوجود.

ووجدت الآيات في هذا الموضوع تنقسم ثلاثة أقسام أحدها: يذكر حال

الإنسان مع ربه في السراء والضراء، و ثانيها: يذكر حاله مع ربه حين تعقب إحدى

الحالين الأخرى، و ثالثها: يذكر حال الإنسان مع ربه حين يخلصه من شدة. و الذي

دعا لهذا التقسيم ما لاح من اختلاف في مواقف الإنسان في هذه المواطن الثلاثة.

فغالب آيات القس م الثالث كانت تعقب بذكر العقوبة أو التهديد الصريح بها،

و غالب القسم الثاني كان يلوح بالتهديد و الوعيد، و غالب آيات القسم الأول فيه

لفت إلى آيات القدرة الإلهية و تصرف الله في الكون، في محاولة إلى إثبات التوحيد

الخالص و إقناعهم به.

و اختلف المفسرون حول الم راد بلفظ إنسان بين القول بأنه الكافر، أو الكافر

و يدخل فيه بعض العاصين، و القول بأن المراد به الجنس و يستثنى منه المؤمنون. غالب

الآيات وردت - كما ذكر كثير من المفسرين - في الكافر، و لا يمنع أن يكون للجبلة

الإنسانية أثر في هذا الجحود الذي يقابل الإنسان به ربه حال النقمة، و هذا الفرح

والبطر الذي يقابله به حال النعمة. و في هذا إشارة إلى أن للإيمان أثر قوي في تهذيب

هذه الطبيعة، و فيه الدواء لدائي الجحود و البطر. كما أن ورود الآيات في سياق

الحديث عن الكفار فيه تعريض بأن المؤمن الحق لا ينبغي له أن يسلك هذا السبيل، وإنما

ينبغي أن يكون شاكرا عند النعماء، صابرا عند البلاء.

ص85

و قد اتضح من الدراسة أن مجيء الضر بعد الرحمة لم يرد - في القسم الثاني -

إلا مرة واحدة و باقي الآيات كان في مجيء الرحمة بعد الضر، وهو مؤكد للسنة الإلهية

بأن رحمة الله تسبق غضبه، و أنه تعالى إنما يبتلي بمس الضر قليلا ليختبر إيمان عباده ثم

ينعم عليهم برحمته. ومما لوحظ أيضا أن آيات القسم الأول و الثاني تراوحت بين

استعمال (إن) الدالة على الشك و الاحتمال، و (إذا) الدالة على التوقع أو

الرجحان، مع غلبة مجيء (إذا) فيها على (إن) ، في حين جاءت آيات القسم الثالث

-باستثناء آية النحل - باستعمال حرف الوجوب لوجوب أو الوجود لوجود الذي

يلمح فيه قدر أكبر من تحقق الوقوع خاصة بدخوله على الفعل الماضي، مما يجعل الأخبار

الواردة معه تحقق قدرا من اللزوم ليس فيه ما في (إذا) مثلا من التحقق أو ال رجحان،

و بالتالي ليس فيه ما في (إن) من الشك. هذا مع أن مجيء أفعال الشرط مع (إذا)

بصيغة الماضي يفيد من التأكيد ما لا يفيده مجيؤها مضارعة مع (إن) . و يزداد التوكيد

بمجيء الجواب معها فعلا ماضيا و الذي عليه غالب الآيات. أما حين يأتي جملة اسمية

فإنها تكو ن غالبا محملة بعلامات التوكيد مثل (إ ّ ن) و لفظ (ذو) الدال على الملازمة.

و تشاركها في ذلك (لما) إذ تراوح جوابها بين الجمل الفعلية ذات الفعل الماضي،

والجمل الاسمية المبدوءة بإذا الفجائية التي تفيد المبادرة بالجواب. أما (إن) فقد جاءت

أفعالها متساوية ا لعدد بين الماضي و المضارع، و غلب الماضي على إذاقة الرحمة مما يفيد

تحقق الوقوع، و المضارع على إصابة السيئات مما يفيد التقليل، في حين جاء جوابها مع

ذوق الرحمة مضارعا ليبين استمرار البطر و الكبر، بل و مؤكدا في بعض السياقات نحو

إن وإذا ولما في سياقات الابتلاء بالخير والشر في القرآن الكريم - د. رباب بنت صالح جمال 479

و جملا اسمية مع إص ابة الشر ليبين مدى ثباتهم و دوامهم على اليأس والقنوط. ليقولن.

و الكفران.

و لا يخفى أن مجيء وصف هذه المعاني بأدوات الشرط و حرف الوجوب

إن. لوجوب بما تحمله من معنى الشرط يختلف عن مجيئها في الأساليب الأخرى مثل

لأن في الشرط قدرا من التأكيد الناتج من ترتب حصول،. الإنسان لربه لكنود

الجواب على حصول الشرط زائدا عن التأكيد الموجود في الجمل المؤكدة ب (إن)

و اللام و ما شابهها.

ص86

1 -إبراهيم بن عمر البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة،

1413 ه - 1992 م.، ط 2

، 2 - د. إبراهيم طه أحمد الجعلي: من جماليات التكرار في القرآن الكريم دراسة بلاغية تحليلية، ط 1

1407 ه - 1987 م

3 -ابن يعقوب المغربي: مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، ضمن شروح التلخيص، دار

السرور، بيروت لبنان، د. ت.

4 -أحمد الحملاوي: كتاب شذا العرف في فن الصرف، منشورات المكتبة العلمية الجديدة، بيروت -

لبنان، د. ت

5 -أحمد بن علي السبكي: عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، ضمن شروح التلخيص، دار

السرور، بيروت لبنان، د. ت.

6 -أحمد بن فارس بن زكريا الرازي اللغوي: الصاحبي في فقه اللغ ة العربية و مسائلها وسنن العرب في

كلامها، تحقيق: د. عمر فاروق الطبَّاع، مكتبة المعارف، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى

1414 ه- 1993 م.

7 -أحمد بن محمد الشهاب الخفاجي: حاشية الشهاب المسماة عناية القاضي على تفسير البيضاوي،

المكتبة الإسلامية - محمد أزدمير ديار بكر تركيا، د. ت.

1385 ه- 1966 م، 8 - إسماعيل بن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار الأندلس، بيروت، ط 1

9 -بهاء الدين بن عقيل: المساعد على تسهيل الفوائد، تحقيق: د. محمد كامل بركات، دار المدني،

جدة، 1405 ه - 1984 م

10 -جلال الدين عبد الرحمن السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، دار الندوة الجديدة، بيروت - لبنان،

د. ت

11 -جلال الدين عبد الرحمن السيوطي: همع الهوامع شرح جمع الجوامع في علم العربية، دار المعرفة

للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، د. ت

ص87

1300 ه، 12 - جمال الدين بن منظور: لسان العرب، دار صادر بيروت، ط 1

13 -الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني: المفردات في غريب القرآن، أعده للنشر: د. محمد

أحمد خلف الله، مكتبة الأنجلو المصرية، 1970 م.

14 -سعد الدين التفتازاني: مختصر سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني، ضمن

شروح التلخيص، دار السرور، بيروت لبنان، د. ت.

15 -د. صبَّاح عبيد دراز: الأساليب الإنشائية و أسرارها البلاغية في القرآن الكريم، مطبعة الأمانة،

مصر، الطبعة الأولى 1406 ه - 1986 م.

16 -عبد الحق بن غالب بن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: المجلس العلمي

بفاس، 1395 ه - 1975 م

17 -عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، المكتبة العصرية،

صيدا - بيروت، 1416 ه - 1995 م

18 -عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق: د. مازن

المبارك، محمد علي حمد الله، مراجعة سعيد الأف غاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الخامسة

1979 م

19 -علي بن عيسى الرماني: كتاب معاني الحروف، تحقيق: د. عبد الفتاح شلبي، مكتبة الطالب

الجامعي، مكة المكرمة، الطبعة الثانية 1407 ه- 1986 م.

20 -عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف ب / سيبويه: كتاب سيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون،

عالم الكتب، الطبعة الثالثة 1403 ه- 1983 م.

21 -محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر 1984 م

22 -محمد بن أبي بكر الزُّرعي الدمشقي: أسماء الله الحسنى، تحقيق: يوسف علي بديوي، أيمن

1421 ه - 2001 م، عبد الرزاق الشوّا، دار ابن كثير، دمشق - بيروت، ط 3

23 -محمد بن جرير الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة، بيروت - لبنان،

1412 ه - 1992 م

ص88

24 -محمد بن عمر الرازي: التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3، د. ت.

25 -محمد بن محمد أبو السعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، دار إحياء التراث

1411 ه - 1990 م، العربي، بيروت، ط 2

26 -محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي: البحر المحيط، دراسة وتحقيق: عادل عبد الموجود

الشيخ علي معوض، شارك في تحقيقه د. زكريا النوتي، د. أحمد الجمل، دار الكتب العلمية،

1413 ه - 1993 م، لبنان، ط 1

27 -د. محمد محمد أبو موسى: خصائص التراكيب دراسة تحليلية لمسائل علم المعاني، مكتبة وهبة، ط 5

1421 ه- 2000 م

28 -محمود الألوسي البغدادي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم و السبع المثاني، دار إحياء التراث

العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة 1405 ه - 1985 م.

29 -محمود بن عمر الزمخشري: الكشاف عن حقائق التتريل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار

الفكر للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الأولى 1397 ه- 1977 م.

30 -محمود بن عمر الزمخشري: المفصل في علم العربية، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية د. ت.

31 -يوسف بن أبي بكر السكاكي: مفتاح العلوم، ضبطه و كتب هوامشه و علق عليه: نعيم زرزور،

دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1407 ه 1987 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت