ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يملك أعلى صفات البشرية في كل جانب من الجوانب فهو من خير الناس نسبًا ومنزلة، وهو أوسعهم خلقًا فكان أحلم الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس. وهاهم أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ يسجلون هذه الشهادة: عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبَل الصوت فاستقبلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: »لن تراعوا لن تراعوا « وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، في عنقه سيف فقال: » لقد وجدته بحرًا أو إنه لبحر« [1] .
وهو - صلى الله عليه وسلم - أتقاهم لله وأعبدهم له عز وجل، كما قال عن نفسه: »قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم« [2] .
ولهذا يتفاوت الناس في مدى قدرتهم على التربية، فمعظم الآباء نظرًا لفارق السن والخبرة يجيدون تربية أبنائهم، أو بمعنى أدق: يتجاوب معهم أبناؤهم في الصغر لشعورهم بأنهم أعلى، لكن كلما تقدم السن ازداد الأمر صعوبة، وقلَّ أولئك الذين يستجيب لهم أبناؤهم.
ولهذا فمن الناس من تكون طاقته أن يربي أبناءه الصغار، ومنهم من يجيد تربية مجموعة محددة من الناس، ومنهم من تكون أكثر من ذلك، ومنهم من يربي مجتمعًا بأسره، أما الأمة كلها على امتداد الزمان والمكان فاختار الله لها المربي الأول? - صلى الله عليه وسلم - .
3 -أن يملك المربي ما يقدمه:
»وينبغي أن يحس المتلقي ثانيًا أن مربيه -بالإضافة إلى أنه أكبر شخصية منه - عنده ما يعطيه، فليس يكفي أن تكون شخصية المربي أكبر من شخصية المتلقي - وهي البديهية الأولى في عالم التربية - إنما ينبغي أن تكون عنده حصيلة يعطيها الآخرين في صورة تجربة واقعية« [3] .
(1) رواه البخاري (6033) ومسلم (2307)
(2) رواه البخاري (7367)
(3) منهج التربية الإسلامية (2/44)