أولا: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة، فإن ذكرهم ذكر للعلم الذي يحملون، والمذهب الذي ينتحلون، والدين الذي إليه يدعون، والسنة التي بها يعملون. فما ذكروا لأنهم من العرب مثلا، وما ذكروا لأنهم أثرياء يملكون من المال والفرش والريال، وما ذكروا لأنهم من أهل السلطان والمراسيم. لا, إنما ذكروا لأنهم من أهل الله تعالى الذين إذا ذكروا ذكر الله تعالى، وإذا أُثِني عليهم أثني على الدين، وإذا أحبوا فبحب الله تعالى أحبوا.
ثانيا: إن العبد في هذا الطريق الطويل يحتاج إلى الأسوة، والقدوة , ولا شك أن الأسوة العظمى إنما تكون برسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} فهو صلى الله عليه وسلم الكامل في خصاله وخلاله , الذي أنعم الله تعالى عليه بأن بوأه هذا المقعد الكريم، فهو أسوة لكل متأس وقدوة لكل مقتد. فيجد الأب في تربية أبنائه أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملته لولده، ويجد الزوج في معاملته لزوجته أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله، ويجد المعلم والشيخ مع طلابه أسوه برسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ويجد المجاهد معه في سراياه ومغازيه السلاء والعزاء، ويجد كل إنسان في سيرته صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة والقدوة فهو المعلم الكبير. وكل من ذكرنا ولم نذكر فإنما اقتبسوا شيئًا من هديه ونور من نوره وكلهم من رسول الله مقتبسا غرفا من البحر أو رشفا من الديم. إنهم بعض حسناته صلى الله عليه وسلم وشيئا من آثاره وفيضا من دينه وشرعه وسنته , فما الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة وغيرهم من أئمة الفقه، والحديث والجهاد والدعوة إلا بعض آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا فلماذا لا نكتفي بسيرة النبي الأول، المعلم الأكبر، محمد صلى الله عليه وسلم؟ قد يقول بعض الناس هذا نبي مصطفى مختار مجتبى يأتيه خبر السماء بكرة وعشيا فما لنا وله؟ فإنه المؤيد بجبريل , المكرم بالتنزيل , فأما نحن فالبشر الخطاة الجناة. فإذا عرضنا لبعض أتباعه وبعض الأئمة من أمته فإننا نقول للناس ها هي قدوات أخرى نسجت على منوال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فأفلحت ونجحت وهؤلاء بشر من البشر لا ينزل عليهم وحي ولا يأتيهم جبريل يصبحهم ويمسيهم , وإنما هم بشر كالناس في بلادهم ومعايشهم وأنسابهم ووفاتهم وأعمالهم. ولكنهم قبسوا من هذا الهدي وتمسكوا بهذا الصراط, فكان منهم من بديع الأفعال والأقوال ما ترون وتسمعون.
كل نحل الدنيا وكل ملل الأرض تدعي أنها تقدم للناس الهدي الصحيح. فالنصارى مثلا يدعون أنهم أهل الخُلق الفاضل والمسلك النبيل والدين الصحيح، ويقولون نحن أهل الصبر وأهل العفو وأهل الحلم، ويزعمون أن عيسى عليه السلام كان يقول لهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن