الوكيل. وأيضا كان صبورا جُلد وخلع ظهره وأوجع وأوذي ومات وهو يتألم من أثر الجراح وأثر الجلد وأثر السياط، فما صده ذلك عن دينه وما تراجع وما فكر وما قال أعطوني فرصة أشاور ولا قال أريد أن أستخير، كانت كلمته واحدة"هاتوا لي دليلا من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك", ولهذا خُلّد ذكره ولهذا كان إماما حتى كان العلماء في وقته وفي زمنه ممن يكبرونه سنا وممن جلسوا وقعدوا للتدريس والتعليم والتحديث قبله كانوا يقولون:"أحمد إمامنا وسيدنا وهو حجة بيننا وبين الله تعالى"كما قال على بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم من أهل العلم. بل قال قتيبه بن سعيد:"الإمام أحمد هو إمام الدنيا"ولذلك اهتموا به ونقلوا هديه وعلمه وأعماله وأحواله وأقواله وسائر أموره، حتى نقلوا عنه الدقائق والتفاصيل التي تتعجبون من نقلها، بل أقول بكل طمأنينة إن أهل الكتاب لا يعرفون عن أنبيائهم مثل ما نعرف نحن المسلمين عن عالم من علمائنا كالإمام أحمد رحمه الله تعالى.
كان إماما مجددا صالحا قدوة حجة بين الناس وبين الله عز وجل، ولو رضي بالتأويل والمدارة والتماس المعاذير والتورية لنجا من ذلك كله , ولكن لو نجا من ذلك كله لخمد ذكره وما كان له مقام يذكر فضلا عن نقص الأجور في الدار الآخرة , ولهذا كان الكثيرون يقولون كما قال البشر بن الحارث وعلي بن المديني ويحي وغيرهم يقولون: تريدون منا أن نقوم مثل ما قام الإمام أحمد؟!. إن أحمد قام مقام الأنبياء - أي وقف موقف صدق يشبه ما كان عليه الأنبياء عليهم سلام الله تعالى -.
النقطة الثالثة: ثبت الإمام أحمد في المحنه فكان هو نفسه المحنة. كيف؟ كان العلماء في عصره يسعون إلى لقياه وإلى النظر إليه وإلى القعود بين يديه. قال المقرئ: رأيت علماءنا مثل الهيثم بن خارجة ومصعب الزبيري (وعد خلقًا فيما لا أحصيهم من أهل العلم والفقه) رأيتهم يعظمون الإمام أحمد ويبجلونه ويجلونه ويوقرونه ويقصدونه للسلام عليه. وقال أبو حاتم - رحمه الله: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد فاعلموا أنه صاحب سنة. فصار الإمام أحمد رمزًا من رموز السنة ما يحبه إنسان إلا لأنه يحب دينه ويحب عقيدته ويحب مذهبه ويحب صبره ويحب ما كان عليه، وبالمقابل قال الغلاس: إذا رأيتم الرجل يقع في أحمد ويغتابه ويسبه ويبغضه فاعلموا أنه مبتدع .. لأنه لا يبغض أحمد إلا لمحاربته لدينه ومسلكه ومذهبه وما كان عليه. بل قال الهمداني: أحمد بن حنبل محنه يُعَرف به المسلم من الزنديق:
أضحى ابن حنبل محنة مأمونة ~~~~~~ وبحب أحمد يعرف المتمسك
وإذا رأيت لأحمد متنغصا ~~~~~~~~~~ فاعلم بأن ستوره ستهلك
نعم وهكذا يكون الصابرون وما يلقاها إلا الصابرون {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} إن هناك رجالا تجردوا من حظوظ أنفسهم وتخلوا عن دنياهم وترفعوا عن شهواتهم فلم يعد