يَوْمَ أُحُدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمٌ، فَسَمِعُوا صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو [1] أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلا تَبْكِي [2] مَا زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قُتِلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَجُدِعَ أَنْفُهُ، وَقُطِعَتْ أُذُنَاهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَبْرَهُ، فَدُفِنَ مَعَ اثْنَيْنِ فِي قَبْرِهِ، فَجَعَلَتِ ابْنَتَهُ تَبْكِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ حَتَّى رُفِعَ. قَالَ: فَحَفَرَتْ لَهُ قَبْرًا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَحَوَّلَتْهُ إِلَيْهِ، فَمَا أَنْكَرَتْ مِنْهُ شَيْئًا، إِلا شَعَرَاتٍ مِنْ لِحْيَتِهِ كَانَتْ مَسَّتْهَا الأَرْضُ.
وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَقِيَنِي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا جابر، ما لي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا مُهْتَمًّا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ. قَالَ: أَفَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ، وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا [3] ، وَمَا كَلَّمَ أَحَدًا قَطُّ إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ.
قَالَ: يَا رَبِّ، تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [4] : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 3: 169.
[1] في أسد الغابة: فجعلت فاطمة بنت عمرو.
[2] في أسد الغابة: فقال رسول الله: تبكين أَوْ لا تبكيه مَا زالت الملائكة تظله.
[3] كفاحا: مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول (النهاية) .
[4] سورة آل عمران، 169.