قال الخطابي عن ابن خطل:"فلم ينفذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له الأمان ، وقتله بحق ما جناه في الإسلام" [1] .
التوجيه والترجيح:
الذي يظهر - والله أعلم - أن القتال في الحرم باقٍ على تحريمه ، وأنه لا يجوز ابتداءً ، ومتى بدأ المشركون أو غيرهم من الأعداء القتال في الحرم ، وقاتلوا المسلمين فيه جاز للمسلمين قتالهم ؛ دفعًا لصولتهم ؛ عملًا بالنص الصريح في قوله تعالى: { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } [ البقرة: 191] .
ويدل لذلك أيضًا ما تقدم من حديثي ابن عباس وأبي شريح رضي الله عنهما ، فهما نصان صريحان في حرمة مكة كما حرمها الله تعالى ، وأن حرمتها مؤبدة إلى يوم القيامة ، ومن المعلوم أن من أغلظ ما تنتهك به حرمة مكة ابتداء القتال فيها دون مسوغٍ من دفاع ونحوه.
وأما قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن خطل في الحرم ، فلا مانع من حمله على الوجهين السابقين في الجمع ؛ لأنه لا تعارض بينهما ، فالسبب في قتل ابن خطل ما حصل منه من اعتداء سابق يشمل القتل والردة والهجاء والسب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان قتله يوم الفتح في الساعة التي أباح الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - القتال فيها في الحرم.
قال ابن عبد البر:"ولا يخلو أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن خطل من أحد وجهين: إما أن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر ، وكان له أن يريق دم من شاء من أهلها في الساعة التي أحل الله له فيها القتال ، أو يكون على مذهب جماعة من العلماء في أن الحرم لا يجير من وجب عليه القتل ، وكان هؤلاء ممن وجب قتله لما ذكرنا ، فلم يجرهم الحرم" [2] .
(1) معالم السنن 2/250.
(2) التمهيد 9/312.