بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة, بل نون الجمع هنا تعبير من المسلم عن مجموع المسلمين كما علمه الله, لذلك فهو:
أولًا: كالتأكيد بأن المؤمنين إخوة تتساوى أقدامهم في عبادة الله والتحرك لها, والتوجه إلى الله وطلب المدد منه, فلو قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لكان مقتصرًا على ذكر عبادة نفسه دون غيره, وهذه فرقة وأنانية مخالفة للتضامن والارتباط, والله يربي عباده على عكس ذلك, ويوجههم إلى ما يحصل به صفاء قلوبهم, واتحاد هدفهم الصحيح نحوه, ووحدة صفوفهم في حياتهم الدينية, التي هي على خلاف حياة الماديين, حتى إن بعضهم يستسقي لبعض في صلاة الاستسقاء والقنوت بدعائه, شعورًا عميقًا منهم بهذه الوحدة والاتحاد.
فإذا قال المسلم الصادق: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فقد ذكر عبادة نفسه وعبادة غيره من المسلمين في سائر بقاع الأرض على العموم, لذلك الارتباط العقائدي الذي يجعلهم عصبة واحدة متضامنين في معاملتهم مع الله, وعلاقتهم به في سائر نواحي حياتهم التي يجب أن تكون متكيفة بروح العبادة لله قلبًا وقالبًا, وظاهرًا وباطنًا, ليتحقق الوصف النبوي السالف الذكر.
وثانيًا: في الضراعة باسم المجموع تنبيه على حتمية الإتيان بالصلاة مع الجماعة, وقد اعتبرها بعض المحققين شرطًا لصحتها, والأحاديث الصحيحة تؤيد ذلك, لا سيما عدم سماح النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى الذي لا قائد له, ويعتذر بالبعد وكثرة الهوام بالمدينة, إذ كان جوابه له بما معناه: لا أجد لك رخصة وأنت تسمع النداء (1) .
1 -أخرجه مسلم في صحيحه (653) من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه