ـ إنَّه يوردهم موارد الهلكات ويعرِّضهم للمتالف والآفات .
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال له إيَّاك إيَّاك أن تبتلَّ بالماء
ـ فأنت مثله ، وإنَّك بأخذهم معك تُعرِّضهم لمواطن الفتن ومواقع المحن ، والطبع سرَّاق ، وبعض الأخلاق مكتسبة ، فربما يعود أحدهم بقلبٍ غير الذي ذهب به ، قد عرضت عليه الشهوات فأشربها ، ولبِّست عليه الشبهات فقبلها .
وربما يعودون وقد زهدوا في بلادهم ، وتغيَّرت قلوبهم على دينهم ، ويكفيك ما تراه عيونهم ، وتسمعه آذانهم ، وتهتزُّ له أبدانهم ، فكم من نظرة أعطبت قلبًا وقرَّبت ذنبًا !
وربما يرجع أحدهم وقد ألمَّ بذنبٍ عظيم ، ووقع في فاحشة كبيرة ، ولك من الإثم أكثره ومن الوزر أكبره .
وربما يعود بعضهم وقد علِقت به الأمراض ، ودبَّت في بدنه الأسقام .
وربما يرجع أحدهم وقد أدمن المسكرات ، ووقع في المخدرات ، فتطول عليكم الحسرات ، وتعظم في حياتكم الكربات .
وكم من أناسٍ عادوا في التوابيت ، موتى لا حراك لهم !
فعلى أيِّ حالٍ كانت نهايتهم ؟ وبأي عملٍ خُتم لهم ؟ وعلى أيِّ أمر طُوِيَتْ صحائفهم ؟
إنَّ السعيدَ لهُ في غيره عِظةٌ وفي الحوادثِ تحكيمٌ ومعتبرُ [1]
ـ وكيف يقعون في ذلك وهم على عيني وتحت نظري وسمعي وبصري ؟!
ـ كم خدعتك نفسك أيها المسكين !
وهل ستكون رقيبًا عليهم طول الزمن ؟ وهل ستظل تراقبهم مدى الوقت ؟!
أما علمت أن من أراد شيئًا احتال له ، ومكر للوصول إليه والحصول عليه ؟!
قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } [2] .
ـ جزاك الله عني خيرًا كثيرًا ، فقد كِدت أوردهم شرًَّا كبيرًا وضُرًَّا خطيرًا ، ولقد عقدت العزم على تركهم بعدي وعدم أخذهم معي .
فالحقُّ أبلجُ لا تزيغُ سبيلُهُ والحقُّ يعرفُهُ ذو الألباب [3]
(1) - الحارث بن كلدة .
(2) -التحريم:6 .
(3) - كثير بن عبد الرحمن .