قلت: أما هذا مسجد الراية؟ قال: بلى. قلت: هذه هي تنية الوداع، وخفق قلبي خفقانًا شديدًا، وخالطني شعور بالهيبة من دخول المدينة، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما في نفسي من الفرح والسرور، وجعلت أتأمل المدينة، وقد دنونا منها، حتى لقد كدنا نصير بين البيوت، وأحدق في القبة الخضراء التي يثوي تحتها أفضل من مشى على الأرض، وقد شخص بصري وكدت لا أرى ما كان حولي لفرط ما أحسن من جيشان العواطف في نفسي.. حتى غامت المشاهد في عيني، وتدخلت كأنها صورة يضطرب بها الماء، وأحسست كأني قد خرجت من نفسي، وانفصلت من حاضري وذهبت أعيش في عالم طلق لا أثر فيه لقيود الزمان والمكان، فسمعت أصواتًا آتية من بعيد.. من بعيد، سمعتها تزداد وتقوى، حتى تبينت فيها قرع الطبل، ووعيت أصوات الولائد، يضربن بالدفوف وينشدن:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
ورأيت المدينة قد سالت بأهلها، فملأ الناس الحرة وسدوا الطرق، وغطى النساء الأسطحة، ولم يبق في المدينة أحد إلا خرج لاستقبال سيد العالم، وهو قادم ليس معه صلى الله عليه وسلم إلا الصديق الأعظم، لا يلمع على جبينه التاج المرصع، ولا يحمل في يده صولجان الملك، ولا تسير وراءه العساكر والجنود، ولكن يضيء على جبينه نور النبوة، ويحمل في يده هدى القرآن، وتسير وراءه الأجيال، ويتبعه المستقبل، وتحف به الملائكة، ويؤيده الله!
ثم سار وسارت وراءه هذه الجموع إلى القرية التي لبثت قرونًا ضائعة بين رمال الصحراء، لا يدري بها التاريخ، ولم تسمع بها القسطنطينية، ولم تعلم بوجودها روما، فجاء هذا الرجل ليهزها وينفخ فيها روح الحياة ويجعلها أم الدنيا وعاصمة الأرض.