أحدا له رواية في الإنجيل يرويه واحد عن واحد إلى عيسى عليه السلام، وأقل الكتب عند المسلمين من الارتياب وغيرها يروونها عن قائلها، فتأمل الفرق بين الاثنين، والبون الذي بين الدينين هؤلاء، المسلمون ضبطوا كل شئ، والنصارى أهملوا كل شئ، ومع ذلك يعتقدون أنهم على شئ.
12 -ومنها: أنهم قالوا: المسلمون ينكرون علينا إطلاق الجوهر على الله تعالى، وليس بمنكر، لأن الموجودات منحصرة في الجواهر والأعراض، لأن الموجود إما غير مفتقر في وجوده إلى غيره، وهو الجوهر، أو مفتقر في وجوده إلى غيره وهو العرض، ولا واسطة بين قولنا: مفتقر في وجوده، وغير مفتقر، ويستحيل عليه تعالى أن يكون عرضا فيتعين أن يمون جوهرا لضرورة الحصرفيهما، وأما قول المسلمين: إن الجوهر هو الذي يقبل العرض فيشغل الحيز، فيستحيل إطلاقه على الله تعالى، فليس كذلك، بل الذي يشغل الحيز ويقبل العرض هو الجوهر الكثيف، أما اللطيف كالضوء والنفس والعقل فلا.
قلنا: هذا كلام من لا يعلم الجوهر، ولا يعرف العرض، ولا يضبط علما من العلوم كأنه نصراني، فإن هذا خصيصتهم، أما ما يفتقر في وجوده لغيره، وما لا يفتقر فهو الواجب الوجود لذاته، والممكن الوجود لذاته، فهذا تفسير الواجب والممكن، لا تفسير الجوهر والعرض، فأين أحد البابين من الآخر، بل الجوهر والعرض كلاهما من أقسام ما يفتقر في وجوده إلى غيره، فنتبرع للنصارى الآن بتفسير هذه الحقائق، فنقول: الجوهر هو المتحيز لذاته الذي لا يقبل القسمة، فقولنا لذاته: احتراز من الجسم، فإنه يقبل القسمة، والجسم المتحيز لذاته الذي يقبل القسمة، وقد ظهرت فائدة هذه القيود مما تقدم، والعرض هو المعنى المفتقر إلى متحيز يقوم به، لا أنه يفتقر إليه في وجوده، بل وجود العرض و غيره من الله تعالى، إذا تقرر هذا ظهر خطأهم في إطلاقهم لفظ الجوهر على الله تعالى، وظهر بطلان تفسيرهم للجوهر والعرض، بل على تفسيرهم للجوهر يلزم أن لا يكون القابل للعرض والشاغل للحيز جوهرا، لأن وجوده من الله تعالى خالق المتحيزات وغيرها، ومن العجيب قوله: إن الجوهر اللطيف لا يشغل حيزا ولا يقبل عرضا، ثم مثله بالنفس والعقل والضوء!! أما النفس فإنها متحيزة، وهي تقوم بها الأعراض، لأنها يقوم بها العلوم والظنون والاعتقادات، والآلام، واللذات وغير ذلك، وكلها أعراض نفسانية، لكنه لا يعرف حقيقة العرض، فلذلك نفى الأعراض عن النفس، وكذلك العقل يقوم به الفكر والعبر والمعارف وغيرها، وهي أعراض، وأما الضوء فعرض يقوم بجواهر، والهواء ليس من الجواهر في شئ وهو يعتقد أنه جوهر فمثل به، فحديث النصارى كله عجب، حتى ولو وجد عندهم صواب كان عجبا.
13 -ومنها: أنهم قالوا: الله له عدل وفضل، وهو سبحانه وتعالى يتصرف بهما، فأرسل موسى عليه السلام بشريعة العدل لما فيه ا من التشديد، فلما استقرت في نفوسهم وقد بقي الكمال الذي لا يصنعه إلا أكمل الكملاء، وهو الله تعالى، ولما كان