سلك معهم ما هو أقرب لهدايتهم، وكذلك قوله تعالى لموسى وهارون في حق فرعون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} وقوله لمحمد صلوات الله عليهم أجمعين: {ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك} .وقوله: {*ولا تجادلوا أهل الكتب إلا بالتي هي أحسن} فهذا كله من محاسن الخطاب لا من موجبات الشك والارتياب، وأما أمره تعالى لمحمد عليه السلام ولأمته بالدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم، فلا يدل على عدم حصول الهداية في الحال، لأن القاعدة اللغوية أن الأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والشرط وجزاءه إنما يتعلق بالمستقبل من الزمان دون الماضي والحاضر، فلا يطلب إلا المستقبل، لأن ما عداه قد تعين وقوعه، أو عدم وقوعه، فلا معنى لطلبه والإنسان باعتبار المستقبل لا يدري ماذا قضي عليه، فيسأل الهداية في المستقبل ليأمن من سوء الخاتمة، كما أن النصراني إذا قال: اللهم أمتني على ديني، لا يدل على أنه غير نصراني وقت الدعاء، ولا أنه غير مصمم على صحة دينه، وكذلك سائر الأدعية، وأجمع المسلمون والمفسرون على أن المغضوب عليهم اليهود، وأن الضالين النصارى، فتبديل ذلك مصادمة ومكابرة ومغالطة وتحريف وتبديل، فلا يسمع من مدعيه.
10 -ومنها: أنهم قالوا: ليس من عدل الله تعالى أن يطالبنا باتباع رسول لم يرسله إلينا، ولا وقفنا على كتابه بلساننا.
والجواب: أنه عليه السلام لو لم يرسل إليهم فليت شعري من كتب إلى قيصر هرقل ملك الروم، وإلى المقوقس أمير القبط يدعوهم إلى الإسلام؟
وليس يصح في الأذهان شئ
إذا احتاج النهار إلى دليل
11 -ومنها: أنهم قالوا: إن قالوا لم أطلقتم لفظ الابن والزوج الأقانيم، مع أن ذلك يوهم أنكم تعدون تعدد الآلهة، وأن الآلهة ثلاثة أشخاص مركبة، وأنكم تعتقدون ببنوة المباضعة، قلنا للمسلمين: هذا كإطلاق المتشابه عندكم من لفظ اليد، والعين، ونحوها، فإنه يوهم التجسيم، وأنتم لا تعتقدونه.
قلنا: إنما يطلق المسلمون المتشابه بعد ثبوته نقلا متواترا نقطع به عن الله تعالى أنه أمر بتلاوته امتحانا لعباده ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وليعظم ثواب المهتدين حيث حصل الهداية بعد التعب في وجوه النظر، ويعظم عذاب الضالين حيث قطعوا لا في موضع القطع، ولم ينقلوا ذلك عن امرأة كما اتفق ذلك في الإنجيل؛ بل ما اقتصر المسلمون على الجمع القليل، بل ما اعتمدوا على العدد الذي يستحيل عليهم الكذب، فلما تحققوا أن الله أمرهم بذلك نقلوه، وأما النصارى فأطلقوا بعض ذلك من قبل أنفسهم، كالأقانيم والجوهر، وبعضها نقلوه لا تقوم به حجة في أقل الأحكام، فضلا عن أحوال الربوبية، فهم عصاة الله تعالى حيث أطلقوا عليه ما لم يثبت عندهم بالنقل، بل لو طولبوا بالرواية لإنجيلهم لعجزوا عن الرواية، فضلا عن النقل القطعي، فلا تجد