عليهم السلام، فصار معلوما فأشير إليه بلام العهد وهي في قوله تعالى: {بالبينت والزبر والكتاب} للجنس، إشارة إلى جميع الكتب المنزلة المتقدمة، ولا يمكن أن يفهم القرآن الكريم إلا من فهم لسان العرب فهما متقنا، وقوله تعالى لنبيه عليه السلام، فهو أمر له بأن يقول: {ءامنت بما أنزل الله من كتاب} . فالمراد الكتب المنزلة لا المبدلة، وهذا لا يمتري فيه عاقل، ونحن ننازعهم في أن ما بأيديهم منزلة، بل هي مبدلة مغيرة في غاية الوهن والضعف، وسقم الحفظ، والرواية والسند بحيث لا يوثق بشئ منها.
7 -ومنها: أنهم قالوا: القرآن الكريم أثنى على أهل الكتاب بقوله تعالى: {قل يأيها الكافرون * لآ أعبد ما تعبدون * ولآ أنتم عابدون ما~ أعبد} إلى قوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} ، وبقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} ، والظالمون إنما هم اليهود عبدة العجل، وقتلة الأنبياء، وبقوله تعالى: {وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} .ولم يقل: كونوا به مسلمين، وبقوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسسن ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} . فذكر حميد صفاتنا وجميل نياتنا، ونفا عنا الشرك بقوله: {والذين أشركوا} ، ومدحنا بقوله تعالى: {إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون *} .
والجواب: أما قوله تعالى: {قل يأيها الكافرون} إلى آخرها، فمعناها: أن قريشا قالت له عليه السلام: اعبد آلهتنا عاما، ونعبد إلهك عاما، فأمره الله تعالى أن يقول لهم ذلك، فليس المراد النصارى، ولو كان المراد النصارى لم ينتفعوا بذلك، لأن قوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين *} معناه الموادعة والمتاركة، فإن الله تعالى أول ما بعث نبيه عليه السلام أمره أولا بالإرشاد بالبيان ليهتدي من قصده الاهتداء، فلما قويت شوكة الإسلام أمره بالقتال بقوله تعالى: {يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير *} .
قال العلماء: نسخت هذه الآية بيفا وعشرين آية منها: {لكم دينكم ولي دين *} {لايضرنكم من ضل إذا اهتديتم} ، {لست عليهم بمسيطر *} وغير ذلك، وليس في المتاركة والاقتصار على الموعظة دليل على صحة الدين المتروك.
وقوله تعالى: {*ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} دليل على أنهم على الباطل، فإنهم لو كانوا على الحق ما احتجنا للجدال معهم، فهي تدل على عكس ما قالوا، وقوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} المراد من طغى، فإنا نعدل معه عن الدليل والبرهان إلى السيف والسنان، وأمره تعالى لنا بأن نؤمن بما أنزل على أهل الكتاب صحيح، ولكن أين ذلك المنزل؟ والله إن وجود أعز من عنقاء مغرب!
وأما مدح النصارى بأنهم أقرب مودة، وأنهم متواضعون فمسلم، لكن هذا لا يمنع أن يكونوا كفرة مخلدين في النار، لأن السجايا الجليلة والآداب الكسبية تجمع مع الكفر