"يا معشر الأنصار: ألم آتكم ضلالا فهداكم الله. وعالة فأغناكم الله, وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا. بلى. ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا وما نقول يا رسول اللّه؟ وبماذا نجيبك؟ قال: واللّه لو شئتم لقلتم فَصَدَقتمِ وصدّقتم. جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفا فأمِّناك، ومخذولاَ فنصرناك. فقالوا: المن للّه ولرسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم اللّه لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول اللّه إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا" [1] أ. هـ
وبالتأمل في هذه الخطبة الجامعة نجد أنها أسهمت في تحويل مجرى الأحداث من الضد إلى الضد, فحولت الشاكين إلى معتذرين, والغاضبين إلى راضين, وهدأت نفوسهم الثائرة, وعبروا عن أسفهم لما حدث وإيثارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أى شئ سواه وذلك في صورة بكاء زادت حدته حتى اخضلت منه لحاهم.
ثانيا:
ومثل هذه الخطبة النبوية التي غيرت مجرى الأحداث خطبة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكادت تحدث فتنة, وقد وقي الله
(1) البداية والنهاية (ج4 - ص356) بتصرف ابن كثير - مكتبة المعارف - بيروت - طبعة ثانية سنة 1978م