3-يقف الخطيب من مستمعيه موقف الأمير، ويجلس الناس تحت قدميه مجلس الطلاب أو التلاميذ، يرمقونه بأنظارهم، ويشرئبون إليه بأعناقهم، ويلتزمون نصيحته، ويأتمرون بأمره، وكل هذا يعبر عن سمو رسالة الخطيب وعظم منزلته التي يفوق فيها من سواه من سائر الناس. يقول الشيخ على محفوظ:"ما أعظم مكانة الخطيب في النفوس، وأنفذ كلامه في القلوب، وأشد إثارته للعواطف، والخطيب أمير القوم الذي تتجه نحوه أنظارهم وتحدق به أبصارهم، وتلتف حوله قلوبهم، وتترامى إليه آمالهم، يستلينهم بالقول إذا قسوا، ويستخضعهم به إذا عصوا، ويمتلك نفوسهم بالرغبة تارة وبالرهبة أخرى، وبنفخ فيهم وقت الحاجة روح الحماس، فيقذف بهم الجبال فيدكونها بين يديه، وبلين لهم بالقول فإذا استوهبهم الأموال - بل الأرواح - وهبوها له . فوالله إنها لمكانة سامية, وسلطان نافذ القوة في الأرواح, لا يدانيه نفوذ الأمراء وقوتهم الجبروتية في الأجسام" [1] ولعل من المناسب في هذا المقام أن نشفع الكلام النظري ببعض الكلمات والمواقف العملية التي تدعم في نفوسنا أهمية الخطابة، وتؤكد على دورها المؤثر في تغيير مجرى الأحداث، ونبدأها ببعض الكلمات:
أ- خير ما نستهل به كلماتنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم والذي جاء فيه عن عبد اللّه
بن عمر رأى اللّه عنهما قال:"قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمِ: إن من البيان لسحرًا" [2] .
(1) فن الخطابة, وإعداد الخطيب ص29 بتصرف - طبعة دار لاعتصام - بدون تاريخ
(2) أخرجه البخاري (جـ4 - ص21) كتاب الطب- باب من البيان سحرا