إن معرفة الخطيب بتلك القواعد والأصول تساعده على تنظيم فكرته وترتيب عناصره، وتطلِعهَ على أفضل السبل في التعبير عن موضوعه، وتوقفه على أنجح الطرق للتأثير على مستمعيه والنفاذ إلى قلوبهم.
ومن البدهي أن هذه القواعد وتلك الأصول لن تصنع بذاتها من الإنسان خطيبًا، ولكن لابد من توفر عناصر أخرى أساسية - كتلك التي أشرنا إليها من قبل - ونحن نجد أن تَعَلّمَ العروض والقافية لا يجعل من الإنسان شاعرًا، وليس كل من عرف النحو سلم من اللحن، فلابد- إذن- من تضافر مجموعة من العناصر لإيجاد الخطيب الناجح، ومنها معرفة قواعد وأصول هذا الفن، والتي سنتعرض على ما يخص الخطيب منها في هذه الصفحات.
"إن من يقول بالفطرة المجردة للخطيب لا يلامس الصواب في شئ، لأن معنى ذلك إلغاء دور التربية وأثرها في تكوين الإنسان وتنشئته، مع أن أثرها لا ينكر أبدًا" [1] .
وعلى هذا نكون تلك القواعد والأصول هادية ومرشدة لا موجدة ومنشئة، تنير السبيل للراغبين في سلوكه، وتوضح الطريق للسائرين فيه.
ولذا فقد أحسنت كليات الدعوة وأقسامها حين وضعت ضمن خطتها الدراسية مادة الخطابة، كي تساعد الطلاب - من خلال الدراسةَ النظرية والتطبيقية- على أن يكونوا خطباء مؤهلين للقيام بتلك الرسالة العظيمة، ويبقى على طلاب العلم أن يشمروا عن ساعد الجد ليقوموا بواجبهم في خدمة دعوتهم ونصرة دينهم إذا أرادوا أن يكونوا من هذه الأمة التي وصفها الله - دون سائر الأمم - بأنها خير الأمم، وعلل ذلك بكونها أمة مؤمنة آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر.
ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حج مَرَّة فرأى من الناس دعة، فقرأ هذه الآية:
(1) علم الخطابة (ص132) د. أحمد أحمد غلوش طبعة أولى سنة 1971- دار الجيل للطباعة