حاصل أيضا لأن البرزخ في النص القرآنى إنما يمنع بَغْى أحد البحرين على الآخر لكنه لا يمنع اللقاء بينهما.
وبنحو الذى قلناه فَسَّر الطبرى الآيتين المذكورتين فقال:"قَوْله:"هَذَا عَذْبٌ فُرَات"، الفُرَات: شَدِيد الْعُذُوبَة. يُقَال: هَذَا مَاءٌ فُرَات، أَيْ شَدِيد الْعُذُوبَة. وَقَوْله:"وَهَذَا مِلْح أُجَاج"، يَقُول: وَهَذَا مِلْحٌ مُرّ، يَعْنِي بِالْعَذْبِ الْفُرَاتِ مِيَاهَ الأَنْهَار وَالأَمْطَار، وَبِالْمِلْحِ الأُجَاجِ مِيَاهَ الْبِحَار. وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ، مِنْ نِعْمَته عَلَى خَلْقه وَعَظِيم سُلْطَانه، يَخْلِط مَاء الْبَحْر الْعَذْب بِمَاءِ الْبَحْر الْمِلْح الأُجَاج، ثُمَّ يَمْنَع الْمِلْح مِنْ تَغْيِير الْعَذْب عَنْ عُذُوبَته وَإِفْسَاده إِيَّاهُ بِقَضَائِهِ وَقُدْرَته لِئَلاّ يَضُرّ إِفْسَاده إِيَّاهُ بِرُكْبَانِ الْمِلْح مِنْهُمَا فَلا يَجِدُوا مَاء يَشْرَبُونَهُ عِنْد حَاجَتهمْ إِلَى الْمَاء، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:"وَجَعَلَ بَيْنهمَا بَرْزَخًا"، يَعْنِي حَاجِزًا يَمْنَع كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ إِفْسَاد الآخَر."وَحِجْرًا مَحْجُورًا"، يَقُول: وَجَعَلَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا حَرَامًا مُحَرَّمًا عَلَى صَاحِبه أَنْ يُغَيِّرهُ وَيُفْسِدهُ". على أن هذا التفسير لا يمنع أن يدخل فيه التقاء ماء دجلة والفرات بماء الخليج العربى بوصفه إحدى الحالات التى يتبدَّى فيها القانون الذى شرحتُه آنفا لا بوصفه الحالة الوحيدة المقصودة في القرآن كما جاء في كلام الدكتور بوكاى، فضلا عن أن التفسير الذى ذكره يختلف عن تفسيرى أنا حسبما وَضَّحْت.