يبدو لى، والله أعلم، أن البرزخ المذكور في الآية الكريمة هو القوانين التى بمقتضاها بَقِىَ كل من الماء العذب والماء الملح كلَّ هذه الدهور المتطاولة التى لايعلم مداها إلا الله، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما هو لا يتغير. فالأنهار تصب في البحار والمحيطات، وكان المفروض، لو أن الأمر انتهى عند هذا الحد، أن يختلط الماءان اختلاطًا دائمًا فلا ينفصلا بعد ذلك أبدا، ويصبح كل الماء الموجود على سطح الأرض من ثَمَّ ماءً مِلْحًا. بَيْدَ أن التقدير الإلهى قد شاء أن يقوم البَخْر بحمل ماء البحار والمحيطات فتسوقه الرياح ليسقط على الجبال وينحدر إلى الأنهار ماءً عذبًا كما كان...وهكذا دواليك. وهكذا أيضا يبقى الماء العذب والماء الملح كما هما، ويتعايش البحران دون أن يبغى أحدهما على الآخر ويقضى عليه. فهذا هو البرزخ، وهذا هو الحِجْر المحجور فيما أفهم، والله أعلم. وهو، كما نرى، برزخٌ وحِجْرٌ غير مادى. إنه حاجز من قوانين لا من أحجار أو مسافات أو تضاريس. ومن الحواجز المعنوية أيضا"برازخ الإيمان"التى جاء في المعاجم أنها تفصل بين الشك واليقين أو التى تفصل ما بين أول الإيمان وآخره، والبرزخ الذى يفصل بين الدنيا والآخرة، و"الحِجْر"المذكور في القرآن على لسان المشركين:"وقالوا: هذه أنعامٌ وحرثٌ حِجْرٌ لا يطعمها إلا من نشاء"، أى محرَّم أكلها حسبما نصت الآية الكريمة، والتحريم (كما هو معروف) حاجزٌ معنوى لا مادى. كما أن قوله تعالى في الآية 22 من سورة"الفرقان":"حِجْرًا محجورًا"معناه:"حرامًا محَرَّمًا"... وهكذا. ولهذا قالت المعاجم وكتب التفاسير في البرزخ الفاصل بين البحرين إنه حاجز خفىّ من قدرة الله. ولا ننس أن القرآن لم ينف التقاء البحرين رغم وجود البرزخ، بل قال بصريح اللفظ:"مَرَج البحرين يلتقيان* بينهما برزخٌ لا يَبْغِيان"كما جاء في الآيتين 19- 20 من سورة"الرحمن". فالبرزخ موجود، ولكن الالتقاء