الصفحة 16 من 32

والحق أن هذا التفسير، رغم احترامى الكامل للدكتور بوكاى، هو تفسير غير مقنع: فمن الناحية اللغوية يصعب علىّ أن أوافق العالم الفرنسى على أن أداة التعريف في كلمة"البحرين"هنا للعهد، الذى قيل على أساسه إن"البحرين"المذكورين هما شط العرب والخليج الذى يصب فيه. ذلك أن الآيات السابقة تتحدث عن الظل والرياح والماء والأنعام والأناسىّ، وهى مفاهيم عامة لا تشير إلى ظلٍّ بعينه ولا رياحٍ محدَّدة ولا أنعامٍ وأنَاسِىَّ مخصوصة، فلِمَ يقال إذن إن"البحرين"هنا هما بحران معينان (الخليج وشط العرب) ؟ إن السياق الذى وردت فيه هذه الكلمة هو سياق عام، ومن ثم فإن بلاغة الكلام تقتضى أن يكون"البحران"أيضا هنا هما"النهر والبحر"بإطلاق، أى أن"أل"فيهما هى"أل"الجنسية لا العهدية. وقد يظن قوم أن كلمة"فُرَات"الواردة في النص القرآنى هنا تشير إلى نهر الفرات، ومن ثم يستغربون قولى بعدم وجود قرينة تدل على أن السياق هنا سياق خاص لا عام، لكن لا بد أن نعرف أن كلمة"فُرَات"فى النص ليست عَلَمًا على النهر المعروف في بلاد الرافدين، بل صفة للبحر الأول من البحرين المذكورين معناها"الشديد العذوبة". كذلك فماء النهر، مهما توغَّل بقوة اندفاعه إلى مدًى بعيد في داخل البحر أو المحيط واحتفظ أثناء ذلك بخصائصة وعذوبته، يختلط في النهاية بمائهما ويتحول من ثم إلى ماءٍ ملحٍ أُجَاج. فظاهر الأمر إذن أن النهر يبغى في البداية على البحر (حين يشق ماءه الملح ويزيحه عن طريقه) ليعود البحر فيبغى في النهاية عليه (حين يختلط ماؤه العذب بماء البحر الملح الذى يُفْقِده خاصة العذوبة ويعطيه بدلا منها ملوحته) ، فأين البرزخ يا ترى والحِجْر المحجور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت