مثلها في لغة قسم من الأدباء العصريين. على أني أشهد أنه كان مع ذلك مجيدًا في تحقيقه، فرجع إلى مراجع كثيرة، وأصلح باجتهاده كثيرًا من النصوص المضطربة في الأصول معتمدًا على صفاء ذهنه وسعة معرفته لأسلوب الجاحظ. وألزم نفسه بشرح أغلب الشعر والأمثال وغيرها من أقوال فكان موفقًا في أغلبها، وله في آخر الكتاب فهارس لم أَرَ مثيلًا لها في جودتها. وإنما وقع فيما وقع فيه من أغلاط لأن كتاب الحيوان جبل وعر مزدحم بالحصى والعُكَر والحُفَر، فمن صعده لم يخلُ من عثرات وكدمات.
ز- وقد عززتُ نقودي بما أرجو أن يكون الدليل الناهض، والبرهان الداحض، معتمدًا في كثير منها على آيات من القرآن الكريم وعلى ما لدي من شواهد في اللغة والنحو، وربما اعتمدت على فطنة القارئ حين أتناول النص فأبني منه ما انهدم، أو أسد ما انثلم، مما لا يحتاج إلى دليل ولا برهان. ولولا ذلك كله لجاز أن يُقال فيَّ: هو يحدو وما له بعير، ويتجشَّأ وما به شِبَع، وقد كان الخطيب البغدادي يقول: (من صنّف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس) . قلتُ: فإن قابل العلماء المنصفون عقلي المجعول على طبق بالقبول، فذلك لعيني قرّة، ولقلبي مسرّة، ولصدري شفاء. وإن وجد واجدٌ منهم لي عثرات فما أُبرّئ نفسي. وقد يغلبُ العلمَ حبّاتٌ من جهل، وقد يصحبُ الفكرَ سهوة باعثها الهمُّ، وقد يركبُ الاحتياط هفوة مصدرها الكلال. هذا إلى قلّة مراجعي، وهي قلّة ضيّقت عَطَني، وجرّعتني نُغَبَ التّهمام. وبحسبي أني ذرَعتُ أجودَ ذَرعي، وقدّمت أحمد وُسعي، وفوق كل ذي علم عليم، ويحسن ممن ينتقد عليّ كتابي أن ينشر نقده، فللنقد المقرون بالعدل والعلم فوائده وعوائده.
وأسأل الله تعالى، الكاشفَ من كُربتي، والمؤنسي في غُربتي، أن يعزّز خدمتي للغة قرآنه، وأن يهديني إلى التي هي أبرّ وأتقى، إنه المسؤول الأكرم، والمأمول الأعظم، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين، وعلى آل محمد الطاهرين الطيبين.