فصل
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه أن من الطرق التي يستفيد منها الإنسان معرفة عيوبه ألسنة أعدائه فإن الساخط ينقب عن عيوب عدوه وقديمًا قيل:
وعينُ الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
ويقول الآخر:
عُدَاتي لهم فضلُ عَليَّ ونِعْمَةٌّ ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هُمُوْا بَحَثُوا عن زَلَّتِي فاجْتَنَبْتُهَا ... وهم نافَسُوني فاكْتسبتُ المعاليا
ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه وسقطاته ومساويه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه، فالبصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه، فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنة أعدائه.
رأى بعض الزهاد رجلًا يضحك إلى غلام فقال له: يا خرب العقل والقلب أما تستحي من رب العالمين والكرام الكاتبين والملائكة الحافظين يحفظون الأفعال ويكتبون الأعمال وينظرون إليك ويشهدون عليك.
شعرًا:
تَمَتَّعتُمَا يا ناظريَّ بنظرة ... فأوْدَتُما قَلْبي أشرَّ الْمَواَرِد
أعَيْنَايَ كُفَّا عن فُؤادِي فإنه ... مِن البغي سَعْيُ اثنين فِيْ قتلِ واحد
فالعيون مصائد الشيطان، والعين أنفذ الجوارح صرعة فمن أتبع جوارحه نفسه في طاعة ربه فقد وصل أمله، ومن أتبع جوارح نفسه في نيل لذاته فقط أحبط عمله، فليحذر اللبيب من إرسال النظر فيما لا يحل فإنه سهم صائب وسلطان غالب قال عليه الصلاة والسلام: «النظر سهم من سهام إبليس فمن تركه مخافة الله تعالى أعقبه إيمانًا يجد طعمه في قلبه» .
إذا ما صَفَتْ نفسُ الْمُرِيد لِطَاعةٍ ... ولَمَّا تَشُبْهَا لِلْمعَاصِي شَوَائِبُ
واتْبعَهَا فِعْلُ الجَوارحِ كُلّهَا ... فَتِلْكَ عليه أنْعُمٌّ ومَوَاهِبُ
تَلَقَتْهُ فِيْ دَارِ الخُلُودِ كَرَامَةٌّ ... إذا جُبَّ لِلعَاصِي سِنَامٌّ وغارِبُ