بها ومن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } فأخبر سبحانه عن كون هذه الامة وسطا والوسط من كل شيء خياره فيكون تعالى قد اخبر عن خيرية هذه الامة فلو اقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية واذا ثبت انهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب ان يكون قولهم حجة لا يقال الاية متروكة الظاهر لان وصف الامة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة لأنا نقول يتعين تعديلهم فيما يجتمعون عليه وحينئذ تجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا هذا تقرير الاستدلال بهذه الاية واجيب بأن عدالة الرجل عبارة عن قيامه بأداء الواجبات واجتناب المقبحات وهذا من فعله وقد اخبر سبحانه انه جعلهم وسطا فاقتضى ذلك ان كونهم وسطا من فعل الله وذلك يقتضي ان يكون غير عدالتهم التي ليست من فعل الله وأجيب ايضا بأن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين فجعله حقيقه في العدل يقتضي الاشتراك وهو خلاف الاصل سلمنا ان الوسط من كل شيء خياره فلم قلتم بأن خبر الله تعالى عن خيريتهم يقتضي اجتنابهم لكل المحظورات ولم لا يقال انه يكفي فيه اجتنابهم للكبائر وأما الصغائر فلا وإذا كان كذلك فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم ومما يؤيد هذا انه سبحانه حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة سلمنا ان المراد اجتنابهم الصغائر والكبائر لكنه سبحانه قد بين ان اتصافهم بذلك ليكونوا شهداء على الناس ومعلوم ان هذه الشهادة انما تكون في الأخرة فيجب وجوب تحقق عدالتهم هنالك لأن عدالة الشهود انما تعتبر حال الاداء لا حال التحمل سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا لكن المخاطب بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول الاية واذا كان كذلك فهذا يقتضي عدالة أولئك دون غيرهم وقد اجيب عن هذا الجواب بأن الله سبحانه عالم بالباطن والظاهر فلا يجوز ان يحكم بعدالة احد الا والمخبر عنه مطابق للخبر فلما اطلق الله سبحانه القول بعدالتهم وجب ان يكونوا عدولا في كل شيء بخلاف شهود الحاكم حيث تجوزشهادتهم وان جازت عليهم الصغيرة لأنه لا سبيل للحاكم الى معرفة الباطن فلا جرم اكتفى بالظاهر وقوله الغرض من هذه العدالة اداء هذه الشهادة في الاخرة وذلك يوجب عدالتهم في الاخرة لا في الدنيا يقال لو كان المراد صيرورتهم عدولا في الاخرة لقال سنجعلكم امة وسطا ولان جميع الأمم عدول في الاخرة فلا يبقى في الاية تخصيص لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الفضيلة