"وفي رجب منها أعاد المعظم ضمان القيان والخمور والمغنيات، وغير ذلك من الفواحش والمنكرات، التي كان أبوه قد أبطلها، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل ملء كف خمر إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية، فجزى الله العادل خيرا، ولا جزى المعظم خيرا على ما فعل، واعتذر المعظم في ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال على الجند، واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج، وهذا من جهله، وقلة دينه، وعدم معرفته بالأمور، فإن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء، وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء، ويثبط الجند عن القتال، فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمر، ويخرب الديار، ويديل الدول، كما في الأثر: (إذا عصاني من يعرفني، سلطت عليه من لا يعرفني) ".
وقال كذلك: (البداية والنهاية 2/34) :"وقال وهب بن منبه:"
أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، يقال له أرميا، حين ظهرت فيهم المعاصي:
أن قم بين ظهراني قومك، فأخبرهم: أن لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وأني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم، فسلهم:
كيف وجدوا غب طاعتي؟..
وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي؟..
وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي؟..
إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها، وان هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها:
أما أحبارهم فأنكروا حقي..
وأما قراؤهم فعبدوا غيري..
وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا..
وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم، وعودوا الكذب ألسنتهم..
وإني أقسم بجلالي وعزتي لاهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال الفجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور، وكأن حمل فرسانه كر العقبان، يعيدون العمران خرابا، ويتركون القرى وحشة..
فياويل أيليا وسكانها: