العموم كما هو ظاهر الحديث. فأصحاب الغربة هم الذين يَصلحون-بفتح الياء-إذا فسد الناس، ويُصلحون-بضم الياء-ما أفسد الناس من السنة وأمور دينهم [1] ، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وهم الذين لا يجارون أهل الأهواء، وهم أهل التوحيد الخالص في وسط أمواج الفساد والشر والشرك والإلحاد...
نعم، يمكن أن يحمل كلام الإمام مالك على مكة والمدينة، وليس على المدينة فحسب، لما رواه مسلم من حديث ابن عمر، وأبي هريرة مرفوعًا: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرِزُ [2] بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) .
وقد علق على هذا الحديث الشيخ محمد داود بيهي بقوله: (إن الإسلام بدأ غريبًا لدى العقول غير مألوف في البيئة التي ظهر فيها لطرافته وجِدة ما فيه من شرائع وأحكام، ولا نزاع في أن الإسلام في بدئه كان غريبًا على العقول، ولهذا عاداه الكثير من العرب في بدء أمره، ولما تأملوه منصفين، وخالطت بشاشتُه قلوبَهم، وتركوا التعصب لملة آبائهم عقلوه، وكان لهم فيه الحكمة، والرأي الرائع، والعصمة من ظلمات الجهل، وانتشر في كل البقاع، وخَفقت رايته في مشارق الأرض ومغاربها) .
1-قال الأوزاعي في قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) : (أما إنه لا يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد) .
2-وقال الحسن البصري: (يا أهل السنة ترفقوا يرحمكم الله فإنكم في من أقل الناس) . قال ابن رجب: لهذا وُصف أهل السنة بالغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه.
3-وقال يونس بن عبيد: (ليس شيء أغرب من السنة وأغرب منها من يعرفها) . لأن المتمسك بدينه في زمان الفتن والمحن وزمان الشبهات والشهوات والأهواء كالقابض على الجمر، لأن أهل الخير في زماننا قليل، والمستجيبين لهم قلة قليلة، والقابلين منهم أقل من القليل، ولا يجدون على الخير أعوانًا.
4-وقال سفيان الثوري: (استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء) .
5-وقال الفضيل بن عياض: (أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من الحلال) .
(1) -وقد قسم الحافظ ابن رجب: (الغرباء إلى قسمين:أحدهما: من يُصلح نفسه عند فساد الناس. الثاني: من يُصلح ما أفسد الناس من السنة، وهو أعلى القسمين وأفضلهما) . (طوبى للغرباء) (ص:33) .
(2) -معنى قوله: (يأرز) : يرجع وينقبض ويتجمع، يقال: أرزت الحية أي: لاذت بجحرها ورجعت إليه وثبتت فيه.