القول الجامع في تفسير"الصراط المستقيم"هو الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله وجعله موصلًا لعباده إليه ولا طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به ومعرفة ما بعث الله به رسله والقيام به علمًا وعملًا واعتقادًا ودعوةً فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها (1) .
10-ما أمر الله به أن يوصل
قال تعالى: { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ } [سورة الرعد آية: 21] يدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه وحق الله وحق خلقه فيصلون ما بينهم وبين الله بالقيام بحق عبوديته والإجتهاد في تكميلها ظاهرًا وباطنًا، وأمرنا أن نصل ما بيننا وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإيمان به وتصديقه وتحكيمه في كل شيء واتباعه وتقديم محبته على محبة كل أحد، وأمرنا أن نصل ما بيننا وبين الوالدين ببرهم وبصلة الأرحام والقيام بحق الجيران والأصحاب والعيال والمعاملين وجميع المخالطين بأن نأتي إليهم ما نحب أن يأتوه إلينا، وأن نصل ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمهم ونستحي منهم فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل (2) .
11-قاعدة في الإنابة
الإنابة التي تكرر ذكرها في القرآن أمرًا ومدحًا وترغيبًا وآثارًا جميلة هي: الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه وهي تتضمن المحبة والخشية والناس في إنابتهم درجات متفاوتة: فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من …المخالفات والمعاصي والحامل عليها الخوف والعلم. ومنهم المنيب إلى الله في أنواع العبادات فهو ساع بجهده، ومصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب، وهؤلاء أبسط نفوسًا من الأولين وكل منهما منيب بالأمرين، ولكن يغلب الخوف على الأولين والرجاء على الآخرين.
ومنهم المنيب إليه بالتضرع والدعاء وكثرة الإفتقار وسؤال الحاجات كلها مع قيامهم بالأمر والنهي.
ومنهم المنيب إلى الله عند الشدائد فقط إنابة إضطرار لا إنابة إختيار.
(1) انظر بدائع الفوائد ج 2 ص 40.
(2) عدة الصابرين لابن القيم ص 25.