لكن الحكاية الحقيقية تختلف عن هذه تماما، إذ كانت العلاقة بين زيد وزوجته يسودها التوتر منذ البداية لأنها كانت تشعر أنها من أعز قبيلة عربية، وهى قبيلة قريش، بينما زيد من قبيلة بنى كلب المغمورة، فضلا عن أنه خَبَرَ الرِّقّ في بعض أطوار حياته، فكان زيد يخبر النبى بأنه لم يعد يرى في الاستمرار في الزواج أى معنى، لكن النبى كان يَثْنِيه عن عزمه هذا، على حين تريد السماء منه أن يتزوج زينب بعد تطليق زيد لها حتى يقضى على التقليد الغريب الذى كان يرى في الابن المتبنَّى نفس حقوق الابن الطبيعى وما يترتب على وضعه من أحكام تشريعية وأوضاع اجتماعية، وهو ما كان النبى يخشاه، خوفا من انتقاد المنتقدين وتشنيع المشنّعين. وهنا نزلت الآية الخاصة بذلك الموضوع من سورة"الأحزاب"والتى تعاتبه على أنه يخشى الناس والله أحق أن يخشاه. وتمامها:"فلما قضى زيدٌ منها وَطَرًا (أى تزوجها ونال منها ما يناله الرجل من زوجته) زوّجْناكها لكيلا يكون على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم إذا قَضَوْا منهن وَطَرًا". فواضح من الآية أنه لا علاقة بينها وبين ما يتقوله المتقولون على النبى عليه السلام مما لا مطعن فيه مع ذلك عليه، بل له الشرف كل الشرف أنْ استطاع أن يكتم مشاعره ولم يسمح لها بالاشْرِئْباب رغم ما عرضه عليه زيد من تطليق زينب كى يتزوجها عليه السلام. نخرج من هذا كله بأن أقصى ما يمكن أن نتصور وقوعه منه صلى الله عليه وسلم مما استوجب استغفار ربه هو تصرفه نحو ابن أم مكتوم حين عبس وتولى بوجهه رجاء أن ينصرف ويأتيه في وقت آخر لا يكون حاضرا فيه ذلك النفر من المشركين الذين كان يطمع في حسن إصغائهم لما يقول وإيمانهم به، على حين يستطيع ابن أم مكتوم أن يطرق بابه في أى وقت آخر ليسأله عما يريد. أما هؤلاء المشركون فنادرًا ما كانت تتاح له معهم مثل تلك الفرصة السانحة! وهذا، بكل يقين، أقل بكثير مما ذكرنا وقوعه من المسيح عليه السلام.