إن استغفار الإنسان ربه إنما هو دليل الإيمان القوى به والخشية الشديدة منه والرجاء الكبير فيه سبحانه، وليس شرطا حينئذ أن يكون قد اجترح إثما، بل يمكن جدا أن يكون، كما في حالة الرسول محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، قد اجتهد فلم توافقه السماء على اجتهاده، كما حدث مثلا حين أتاه أحد المسلمين وهو يحادث بعض الكفار العتاة في جلسة هادئة رجا منها أن يكونوا أفضل إنصاتا، ومن ثم أحرى أن يهتدوا إلى الحق بعيدا عن مؤثرات الجماهير وأصوات العصبية، فبان في وجهه صلى الله عليه وسلم شىء من عدم الارتياح ظنا منه أنه سيفسد جو الجلسة التى لم يكن يطمع في أفضل منها، فنزل القرآن معاتبا له عليه السلام. فإن شئت أن تأخذ بما يقوله بعض المفسرين من أن الكلام في الآيات موجه له فليكن، فهذا كل ما يمكن أن يقال عن الذنب الذى وقع منه صلى الله عليه وسلم مما ينبغى أن يستغفر ربه منه، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين كما يقال. وهو، كما نرى، أمر من التفاهة بمكان، لكن الرسول إنما يحلق في أفق آخر لا نظير له في السمو والسموق، فكان لا بد من الاستغفار. وهذا إن أخذنا بذلك التفسير، ولم يكن الانتهار موجها إلى أحد الكفار الحاضرين لا إليه صلى الله عليه وسلم كما يقول بعض العلماء الآخرين.