فإنَّه حسنٌ أن نأْتي إلى تلكم المسائل، التي أُركست فيها عقول النابتة الجديدة، الجامعة بين نقيضين يستحيل أن يجتمعا، أو أن يكونا في قَرَنٍ واحدٍ يومًا؛ وهي (السلفيّة المرجئة) ، إذ جعلت نصفًا منها يعقل إليها ـ رياءً وسمعةً ـ ما ارتُضيَ من خير القرن الأَول، والنصف الآخر، يعقل إليها، كلَّ ما أوهنوا من العقائد والأحكام التي نزل الوحي الأمين بها على قلب المصطفى صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، لتبقى على نقائها وصفائها وإحكامِها وتمامِها، بيدَ أنّهم، جعلوها سبيلًا واصلةً إلى الجنَّة، بالإيمان والتصديق بها فقط، أما العمل، فهو، بالترك له والعمل به على درجةٍ واحدة·
وهذا إن كان من باب إحسان الظَّنِّ باللَّه، فهو أقرب بمثل هذا الفقه إلى إساءة الظنِّ به ـ سبحانه عمّا يصفون ـ، إذ من صفاته سبحانه: العدل، الذي أقام عليه الوجود كلَّه· لذا فإنَّ حقًّا علينا أن نُفْرِغ من عدل القلم على بعض المسائل، التي ضلَّت فيها أفهام وأقلام، وغدت بها كثيرٌ من طوائف الأُمة على شظف النِّزاع والفرقة، بل والعداوة والعمى، لا يؤنِسُ فيها أملٌ يُلْتَمَس، ولا رجاءٌ يُرامُ بحدسٍ، أو بعطفِ رغبةٍ حريز·
وهذه المسائل هي:
أولًا: التعريف بحقيقة الإيمان
وقد أتينا على هذه المسألة بإيجاز، لا يحتاج العقلاءُ معه إلى زيادة أو إيضاح، إلا أنّه يحسن أن نأْتي ببعض زيادةٍ للمناسبة، لا للتوضيح والبيان، ونكتفي هنا بكلام مختصرٍ جدًّا يغني عن كلِّ ما يُراد لهذه المسألة من بيان، فهذا نافع مولى عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهم جميعًا، وقد سُئل عن رجل يقول: إنَّ الصَّلاة فريضةٌ ولا نصلِّي، وإنَّ الخمر حرام ونشربها، وإنّ نكاح الأُمهات حرام ونحن نفعله، فقال نافع رحمه اللَّه: مَن فعل هذا فهو كافر·