فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 46

تُلْحَم تلك القطع بالخياطة المحكمة ... وهاتان الصناعتان قديمتان في الخليقة [1] .

والعرب كغيرهم من أمم الأرض عرفوا هاتين الصناعتين، واتخذوا من وَبَر إبلهم وصوف ضأنهم وشعر ماعزهم وجلود حيوانهم، مواد أولية صنعوا منها ضروبًا مختلفة من الثياب والبرود والسجاجيد والفرش والأثاث، قال تعالى: [والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين] [2] ، كما اتخذوا من القطن والكتان والحرير [3] مواد أولية صنعوا منها ثيابهم وحاكوا منها منسوجاتهم.

ونجد في الشعر الجاهلي ذكرًا للمدن والمناطق والبلاد التي كانت تقوم فيها مثل هذه الصناعات أو تنسب إليها بعض هذه المنتجات، فقد كان العراق واحدًا من هذه المراكز التي اشتهرت بحوْكها ونسيجها، يقول ربيعة بن مقروم واصفًا الظعن التي كسيت هوادجها البسط واكتست النساء في هوادجهن الريّط العراقي فجعلنه لرقته ونعومته يلي أجسادهن، يقول [4] :

جَعَلْنَ عَتيقَ أنماطٍ خُدورًا ... وأظْهَرنَ الكرادي والعهونا

على الأحداجِ، واسْتَشْعَرْنَ ريْطًا ... عراقيًا، وقَسِّيّيًا قشيبا

واشتهرت الحيرة- حيث بلاط المناذرة- ببعض الصناعات، ومن أهم صناعاتها صناعة النسيج ولا سيما نسيج الحرير والكتان والقطن والصوف، وقد بلغت في صناعة النسيج درجة عالية من الحذق والإتقان [5] ، وكان قصر الخورنق يضم عددًا من النساجين، يقول عمرو بن كلثوم [6] :

إذ لا تُرَجِّي سُلَيْمى أن يكونَ لها ... من بالخَوَرْنقَ من قَيْنٍ ونَسَّاج

ونسيج العراق كان مُنَمَّقًا مزخرفًا، يقول امرؤ القيس [7] :

جَعَلْنَ حوايا، واقْتَعدْنَ قَعَائِدًا ... وخَفَّفْنَ من حَوْك العراقِ المنمَّق

(1) . ابن خلدون، المقدمة، 411.

(2) . سورة النحل، الاية80.

(3) . جورجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، 92: 5.

(4) . حمدي منصور، حركة الشعر في قبيلة ضبة في الجاهلية وصدر الإسلام، 185 ..

(5) . السيد عبد العزيز سالم، تاريخ العرب في عصر الجاهلية، 301.

(6) . الأصفهاني، الأغاني39: 11.

(7) . ديوانه168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت