الواجب على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وزهرتها، وحسنها و بهجتها، فيشتغل بها عن الآخرة الباقية، و النعم الدائمة،بل ينزلها حيث أنزلها الله، لأن عاقبتها لا محالة تصير إلى فناء، يخرب عمرانها، ويموت سكانها، وتذهب بهجتها وتبيد خُضرْتها، فلا يبقى رئيس متكبر مؤمر؛ ولا فقير مسكين محتقر، إلا ويجري عليهم كأس المنايا، ثم يصيرون إلى التراب، فيبلون حتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه في البداية إلى الفناء، ثم يرث الأرض ومن عليها علام الغيوب، فالعاقل لا يركن إلى دار هذا نعتها، ولا يطمئن إلى دنيا هذه صفتها، وقد ادخر له ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيضن بترك هذا القليل، ويرضى بفوت ذلك الكثير.
تلمس القلوب ...
إذا أردت أن تعلم عدوك من صديقك ففكر في نفسك فإن لم يكن قلبك له سليمًا فاعلم أنه لك كذلك.
البلاء في الدنيا يسوقه الحرص والشره ...
البلاء في الدنيا يسوقه الحرص والشره، لأنهما لا يزالان يدخلان صاحبهما من شيء إلى شيء، و الأشياء لا تنفذ ولا تنتهي ولا يزال صاحب الدنيا في بلية وتعب ونصب، ووجدت ركوب الأهوال وتجشم الأسفار البعيدة في طلب الدنيا أهون من بسط اليد إلى السخيّ بالمال، فكيف بالشحيح به،ولم أرَ كالرضى شيئًا، ووجدت العلماء قد قالوا: لا عقل كالتدبير؛ولا ورع ككف الأذى؛ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كالرضى، وأحق ما صبّر الإنسانُ على الشئ نفسه، وأفضل البر الرحمة، ورأس المودة الاسترسال،ورأس العقل معرفة ما يكون مما لا يكون،وقالوا: الخرس خير من اللسان الكذوب، والضر والفقر خير من النعمة والسعة من أموال الناس.
الحذر من العدو ...
قارب عدوك بعض المقاربة لتنال حاجتك ولاتقاربه كل المقاربة فيجترئ عليك ويضعف جندك وتذل نفسك، ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها زاد ظلها، وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظل.
ولا خير للضعيف في قرب العدو القوي، ولا الذليل في قرب العدو العزيز.