فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 43

ألبس للناس لباسين ليس للعاقل بدٌّ منهما؛ ولا عيش ولا مروءة إلا بهما: لباسُ انقباض واحتجاز تلبسه للعامة؛ فلا تلفين إلا متحفظًا متشددًا متحرزًا مستعدًا، ولباسُ انبساط واستئناس تلبسه للخاصة من الثقات؛فتتلقاهم ببنات صدرك وتُفضي إليهم بموضع حديثك، وتضعُ عنك مؤونة الحذر والتحفظ فيما بينك وبينهم، وأهل هذه الطبقة الذين هم أهلها قليل؛ لأن ذا الرأي لا يُدخل أحدًا من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والسبر والثقة بصدق النصيحة ووفاء العهد.

أمن العدو مخاطرة ...

العاقل لا يأمن عدوه على كل حال، إن كان بعيدًا لم يأمن مغادرته، وإن كان قريبًا لم يأمن مواثبته،والعاقل لا يخاطر بنفسه في الانتقام من عدوه، لأنه إن هلك في قصده قيل: أضاع نفسه، وإن ظفر قيل: القضاء فعله، والمعاداة بعد الخُلّة فاحشة عظيمة، لا يليق بالعاقل ارتكابها، فإن دفعه الوقت إلى ركوبها ترك للصلح موضعًا.

اتفاق الأرواح ...

إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به، فإذا ازداد به علمًا ازداد به عجبًا، ومنهم من يبغضه حين يراه، ثم لا يزداد به علمًا إلا ازداد به مقتًا، فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديمًا، وافتراقهما يكون بافتراقهما، وإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بُغض حادث، أو فراق ممات، فهناك الموت الفظيع، والأسف الوجيع، ولا يكون موقف أطول غُمة، وأظهر حسرة وأدوم كآبة، وأشد تأسفًا، وأكثر تلهفًا من موقف الفراق بين المتواخيين، وما ذاق ذائق طعمًا أمرَّ من فراق الخلّين وانصرام القرينين.

من صفات العقلاء الاعتذار عند كل زلة ...

الاعتذار يذهب الهموم، ويُجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصد، والإقلال منه تستغرق فيه الجنايات العظيمة والذنوب الكثيرة، والإكثار منه يؤدي إلى الاتهام وسوء الرأي، فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تُحمَد إلا نفي التعجب عن النفس في الحال؛ لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت