من حصن بالكتمان سره؛ تم له تدبيره، وكان له الظفر بما يريد، والسلامة من العيب و الضرر، وإن أخطأه التمكن والظفر، والحازم يجعل سره في وعاء، ويكتمه عن كل مستودع، فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له،لأن السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب له وعاؤه، فمن الأوعية ما يضيق بما يودع، ومنها ما يتسع لما استودع.
من أُستودع سرا فليكتمه ...
الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز، وما كتمه المرء من عدوه؛ فلا يجب أن يظهره لصديقه، وكفى لذوي الألباب عبرًا ما جربوا، ومن استودع حديثًا فليستر، ولا يكن مهتاكًا ولا مشيعًا، لأن السر إنما سمي سرًا، لأنه لا يُفشى، فيجب على العاقل أن يكون صدرُه أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه.
أحسن لباس يلبسه المرء ... الفصاحة
الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل وأحسن إزار يتزّر به العاقل، والأدب صاحب في الغربة، ومؤنس في القلة، وزين في المحافل، وزيادة في العقل، ودليل على المروءة، ومن استفاد الأدب في حداثته انتفع به في كبره، لأن من غرس فسيلًا يوشك أن يأكل رُطبها، وما يستوي عند أولى النهى،ولا يكون سيان عند ذوي الحجى، رجلان: أحدهما يلحن، والآخر لا يلحن.
المودة وحفظ السر ...
لا شيء أفضل من المودة، ومن خلصت مودته كان أهلًا أن يخلطه الرجل بنفسه ولا يذخر عنه شيئًا ولا يكتمه سرًا؛ولا يمنعه حاجته ومراده إن قدر على ذلك، ورأس الأدب حفظ السر، فإن كان السر عند الأمين الكتوم فقد احترز من التضييع لأنه خليق أن لا يتكلم به، ولا يُكتم سرٌّ بين اثنين قد علماه وتفاوضا فيه، ولا يكون سرًا لأن اللسانين قد تكلما به، فإذا تكلم بالسر اثنان فلا بد من ثالث من جهة الواحد أو من جهة الآخر، فإذا صار إلى الثلاثة فقد شاع وذاع حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده ويكابر فيه، كالغيم إذا كان متقطعًا في السماء فقال قائل: إن هذا الغيم متقطع لا يقدر أحد على تكذيبه.
إفشاء السر مفسدة ...