كانت جائعة فعلا ... طريقة إلتهامها للطعام .. تلقائيتها في التصرف .. حينما نزعت غطاء وجهها ، الذي كان يتدلى على كتفيها ، ووضعته على الكرسي بجانبها .. تنقلها بين صنف وآخر من الطعام بدون أي (إتيكيت) .. كأنما تتذوق (العالم) لأول مرة ..
بل هي كذلك .. إنها الدهشة التي تصيبنا ، حينما نصادف الاشياء للمرة الأولى ، فنتصرف مثل الاطفال ..."أوووه أيها المترف"..
يلج نداء في داخلي .."أصبحت تعلم المحرومين الاتيكيت"..
أصبحت انت (الاستاذ) .. وغيرك حولتهم الدهشة إلى أطفال ..
لم لا تفهم ..؟
إنه الجوع ، والحرمان .. والبراءة التي ما تلوثت ..
شعرت بفيض من الحب يغمر قلبي تجاهها .. براءتها .. عفويتها .. تلقائيتها .. والشعور بالامان الذي هبط عليها ، وهي معي .. فنسيت العالم من حولها .
حينما يسكن إنسان إليك ، تعتريك حالة من الاستسلام .. والحب اللانهائي ..
تأمل حينما يدفن طفل رأسه في حجرك .. ويغفو ..
تنتابك حال من الاستسلام غريبة .. وتحس أن قلبك تحول إلى مهد له .. لوحده .. وتتمنى لو توقف العالم كله من حولك .. بساعاته .. وسياراته .. وضجيجة كله .. لكي لا يصحو ..
هكذا كان شعوري نحوها .. وأنا أنظر إليها .. تحيلني سكينتها .. وإطمئنانها إلي .. إلى (إنسان) .. قال عنه عبدالكريم يوما ، إنه غير موجود ..
وددت لو أخذتها إلي .. وضممت رأسها إلى صدري .. ليذوب الجليد ..
لأبكي ..
لأستعيد إنسانيتي المهدرة ..
أليس شيئا هائلا أن تجد إنسانا يسكن إليك ..
و .. تسكن إليه .. ؟
تذكرت صاحب السيارة الذي قذفها ، فتداعى إلى ذهني مخزون هائل من اللعنات ...
أي نفس سويه يسوغ لها أن تفتك ببراءة مثل هذه ..؟
أي توحش قادر على أن يغرس خنجر الغدر في هذا الطهر الفطري ...؟
كنت ساهما .. أهلوس بمثل هذه الأفكار .. وأتذكر كثيرات ..
فتك بطهرن .. بسبب مثل هذه البراءة ، والعفوية ..