الصفحة 11 من 31

ها أنت أمام كائن يشاركك نفس الكوكب ..ونفس الوطن .. بل على الطرف الثاني من المدينة .. ربما لم يعرف سائلا غير الماء في حياته .. أو معلبات الكولا ، التي تعمل عمل الأسيد في قنوات جهازه الهضمي . إنه (البرجوازي) البشع .. يتربع في داخلك .. كتمثال من البرونز .. منصوب في ميدان ، في عاصمة (رأسمالية) .. يأتيه العمال ، والمهاجرون المغتربون .. المسحوقون .. يتمسحون فيه .. ويطوفون حوله .. يلتقطون الصور التذكارية .. ويصطنعون عنده (لقطات فرح) .. انتزعوها من بقايا آدمية مطحونة ..

في قيعان المناجم .. أو بين هدير ألات المصانع ..

يتفصدون دما .. وعرقا ، يصنع منه طلاء .. يحفظك من الصدأ .. ويبقيك لامعا .. متوهجا .. ليؤموك مرة ، تلو أخرى ..

صرت (ربا) صنما ..

حولك .. (يولد) فرح المسحوقين ..

ومن عصارة أجسادهم تبقي لامعا .. لتسعدهم ..

أي فخر أعظم من هذا ...؟

جاء الأكل ، واستلمته من العامل ، ووضعته على الطاولة .. وقلت لها:

-أفطري .. بعد عشر دقائق أرجع لك ..

-وين تروح ..؟

-أتركك .. تأخذين راحتك ..

-لا .. لا تتركني .. أنا راحتي معك ..

انتفض قلبي لعبارتها .. تملكني براءة الأنقياء .. وصدق المشاعر ..

تذكرت الشاش والمعقم الذي اشتريته ، فأخبرتها أني سأذهب لإحضار بعض الاغراض من السيارة . كنت أريد أن أدعها لوحدها ، حتى تنتهي من إفطارها ، ولأحضر تلك الاغراض لتطهير جرحها ..

رغم أني تعمدت التأخير ، إلا أنني حينما عدت ، كانت ما تزال في بداية وجبتها . شعرت بحرج ، لكنها نظرت إلى بعينين ساكنتين ، وقالت:

-خفت .. لما تأخرت علي ..

جلست أرقبها تتناول الطعام . تتصرف بهدوء وعفوية ، دون إحساس بالمكان حولها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت