فنجد في هذه القصة عبرًا منها، أنه لم يعنف الرجل ولم يزجره ولم يوبخه لأنه جاء تائبًا نادمًا، وهناك فرق بين رجل معاند ورجل مسالم جاء يستنجد بنا ويطلب منا أن نخلصه مما وقع فيه، لذلك عامله النبي بهذه المعاملة حيث رده إلى أهله ومعه الغنيمة التي حملها من رسول الله ، وهي هذا التمر الذي كان مفروضًا عليه أن يطعمه ستين مسكينًا، لو لم يكن فقيرًا.
المثال الثالث: الرجل الذي عطس في الصلاة:
نأخذ هذا المثال من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، حين دخل مع النبي وهو يصلي فعطس رجل من القوم، فقال: الحمد لله. فقال له معاوية: يرحمك الله. فرماه الناس بأبصارهم، يعني استنكارًا لقوله.. فقال: واثكل أميّاه، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما انصرف النبي من الصلاة دعاه وقال له: { إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التكبير، وقراءة القرآن } أو كما قال .
قال معاوية: بأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا أحسن تعليمًا منه والله ما كهرني ولا تهرني.
المثال الرابع: الرجل الذي لبس خاتمًا من ذهب:
نأخذ هذا المثال من قصة الرجل الذي كان عليه خاتم من ذهب، وكان النبي قد بيّن أن الذهب حرام على ذكور هذه الأمة. فقال النبي: { يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده } . ثم نزع النبي الخاتم بنفسه، ورمى به فلما انصرف النبي قيل للرجل: خذ خاتمك وانتفع به، فقال: والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي .
نرى في معاملة النبي لهذا الرجل شيئًا من الشدة، إذ الظاهر أن هذا الرجل كان قد بلغه الخبر بأن الذهب حرام على ذكور هذه الأمة فلهذا عامله النبي هذه المعاملة التي هي أشد من معاملة من ذكرنا سابقًا.
إذن لا بد أن يكون الداعية منزلًا لكل إنسان منزلته بحسب ما تقتضيه الحال: فهناك جاهل لا يدري، وهناك عالم ولكن عنده فتور وكسل، وهناك عالم ولكنه معاند ومستكبر، فيجب أن ينزل كل واحد من هؤلاء المنزلة اللائقة به.