وغابت عائشة عمّا حولها .. ومضت تسري بروحها في أثر الراحلين [5] .
ولم توقظها غير طرقات عنيفة على الباب .. لقد جنّ جنون قريش .. جاءوا يسألونها في غلظة:
-أين أبوك يا بنت أبي بكر .. ؟
وعندما نفت علمها بشيء .. كانت يد أبي جهل ترتفع فتلطم خد أسماء لطمة قاسية طرحت قرطها ...
ووصلت الأخبار إلى مكة بأن محمدا وصاحبه قد وصلا إلى يثرب .. وهدأت عائشة بعد طول قلق واضطراب .. واشتعل شوقها للحاق بالمهاجرين .. في دار الهجرة [6] ..
في الطريق إلى يثرب ...
بعد نحو شهر، جاء زيد بن حارثة من دار الهجرة ليصحب بنات المصطفى إليه، ومعه رسالة من أبي بكر إلى ابنه عبد الله، يطلب إليه فيها أن يلحق به، مصطحبا أم رومان زوج أبي بكر، وابنتيه أسماء وعائشة.
مازالت عائشة تذكر تلك الرحلة المثيرة عبر الصحراء إلى المدينة .. فتقول:
حتى إذا كنت بالبيداء نفر بعيري وأنا في محفّة معي فيها أمي فاستغاثت أم رومان مذعورة: وابنتاه، واعروساه .. فأسرع عبد الله بن أبي بكر وطلحة بن عبيد الله وزيد بن حارثة فردوا البعير النافر. ووصلوا أخيرا إلى يثرب واستقرت عائشة في السنّح في بيت أبيها أبي بكر.
عائشة في بيت النبي
وما أن استقر المقام في الموطن الجديد .. وأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء المسجد والمنزل الجديد .. حتى تحدث أبو بكر إلى محمد صلى الله عليه وسلم في إتمام الزواج الذي عقده في مكة منذ ثلاث سنين ..
وتصف عائشة حفل زفافها فتقول:
جاء رسول الله بيتنا فاجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وأنا في أرجوحة، فأنزلتني ثمّ سوّت شعري ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني فأدخلتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا .. وقالت: (هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهن، وبارك لهن فيك) ..
ووثب القوم والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، ما نحرت عليّ جزور ولا ذبحت من شاة.
وانتقلت عائشة بعد ذلك إلى بيتها الجديد، الذي لم يكن أكثر من حجرة صغيرة بنيت حول المسجد، من اللبن وسعف النخيل، ووضع فيه فراش من أدم حشوه ليف، ليس بينه وبين الأرض إلا الحصير، وعلى فتحة الباب أسدل ستار من الشعر. في هذا البيت البسيط المتواضع بدأت عائشة حياة زوجية حافلة، وكما كانت شاهدة على أحداث الإسلام منذ يومها الأول ترقبها في بيت أبيها الصديق .. فقد أصبحت شاهدة على حياة النبي القائد تنهل من علمه وحكمته وسيرته ما وسعها عقلها وذكاؤها أن تنهل وتتعلم ..
لقد كانت عائشة باستمرار في وسط المعركة ..
· ... معركة تقودها مع الضرائر من حولها في بيت زوجها، تحاول أن تستأثر بقلبه وحبه دون الأخريات ..
رصيدها في ذلك حب رسول الله لأبيها: فقد كان من أحب الناس إليه وأقربهم منه ..
ورصيدها أنها الوحيدة من بين جميع نسائه في السابق واللاحق من لدن خديجة حتى اخراهن التي زفّت بكرا إلى زوجها لم تعرف قط رجلا غيره ..