نشأت في بيت كريم، فكان أبوها وجيها في قومه، ميسورا في تجارته، مضرب الأمثال في حلمه وصدقه. كان من أوائل المقبلين على اعتناق الدين الجديد، يقول فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر .. ما عكم حين ذكرته له وما تردد فيه) [2] ... وأصبح بالتالي هو وبيته وماله تحت تصرف الدعوة وقائدها .. يقول النبي: (ما نفعني مال قط، ما نفعنا مال أبي بكر) . وعندما يسمع أبو بكر ذلك يبكي ويقول: وهل أنا ومالي إلا لك .. ؟
كان النبي لا يخطئ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إمّا بكرة وامّا عشية [3] .
عاشت عائشة الصغيرة في هذا البيت الكريم .. تشاهد الأحداث فتحفظها وتترسب آثارها في ذاكرتها .. فالطفل لا ينسى.
شهدت إسلام أبيها ..
وشهدت مرحلة الكفاح الدامي بين دعاة الحق وكفار قريش يسومونهم سوء العذاب ..
وشهدت صراع العقيدة مع جميع الولاءات الجاهلية، فلقد ترك المؤمنون والمؤمنات أرضهم وملاعب صباهم ليهاجروا إلى الحبشة فرارا بدينهم ..
وانحاز المؤمنون إلى فريقهم تاركين الأهل والآباء والأبناء وأصبحوا أمة من دون الناس ..
وشهدت فصول الهجرة الكبرى .. هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبيها إلى المدينة المنورة. في بيتها وأمام عينيها خططا للهجرة، ومن ذلك المكان خرجا ولا يعلم بخروجهما أحد في مكة إلا عليّ بن أبي طالب وآل أبي بكر ..
كانت عائشة وحيدة في البيت ترقب .. فأخوها عبد الله يتسلل بين الناس يتسمع ما يقولون .. وأسماء أختها تنشغل بتدبير طعام تحمله خفية إلى الغار إذا جنّ المساء [4] .
تسمع من أخيها عبد الله، حنق قريش على المهاجرين .. ورصدهم مائة ناقة لمن يدلهم عليهما. وخروج نفر من فرسان قريش في طلبهما .. وتحدثها أختها أسماء بعد كل زيارة لها عن الغار وصعوبة البقاء فيه وعن المشركين المطاردين وهم يقفون على قيد خطوة منهما ..
لم يكد يتحمل رأس الصبية الصغيرة كل هذا الصراع الذي اشتركت فيه كل عناصر الشر، ولكن ثقتها بالنبي وبأبيها الصديق وبعين الرحمن التي لا تنام .. كانت أكبر من كل مكر شيطاني مريد ..
وتنفست عائشة الصعداء وهي تسمع لأختها أسماء تحدثها عما كان:
(عند هدأة المساء في تلك الليلة التاريخية الخالدة على الدهر، جاء الدليل، عبد الله بن أريقط البكري يسوق الراحلتين اللتين أودعهما أبو بكر منذ أيام وراحلة له ثالثة، فأناخ عند فتحة الغار، فخرج الرسول وصاحبه، وجاءت أسماء بطعامها في سفرة وقد فاتها أن تجعل للسفرة عصاما، فلما همّا بالرحيل وأرادت أن تعلقها، أعوزها العصام تربط به السفرة إلى الرحل، فحلت نطاقها فشقته نصفين، علقت السفرة باحدهما، وانتطقت بالشق الآخر فكانت ذات النطاقين.
ونظر أبو بكر إلى الراحلتين، فقرب أفضلهما للنبي وقال:
-اركب فداك أبي وأمي.
وسرى الركب ممعنا إلى الجنوب، في طريق غير مطروق، ووقفت أسماء تتبعه بعينيها وقلبها حتى أبعد .. فعادت وحدها إلى البيت .. وهي توجس خيفة من تنبه المطاردين ..